نشرت مجلة Foreign Policy مقالًا بعنوان: «أين الملك عبدالله؟»، وهو عنوان أراد أن يطرح سؤالًا سياسيًا، لكنه في الحقيقة يفتح سؤالًا أكبر: هل المشكلة فعلًا في مكان الملك عبدالله، أم في الطريقة التي تُقرأ بها المملكة الأردنية الهاشمية من خارجها؟
الكاتب بنى جزءًا كبيرًا من مقاله على قلة ظهور جلالة الملك عبدالله الثاني في الإعلام، وعلى سفره خارج الأردن، وعلى عدم عقده مؤتمرات صحفية أو تقديم تصريحات متكررة حول الملفات الحساسة. لكن منذ متى أصبحت القيادة تقاس بعدد المقابلات التلفزيونية والمؤتمرات الصحفية؟ وهل أصبح المطلوب من قائد دولة تواجه صراعًا إقليميًا معقدًا أن يكشف كل تحركاته واتصالاته ومداولاته حتى يثبت أنه يعمل؟
الأردن ليس برنامجًا تلفزيونيًا، والملك ليس مذيعًا سياسيًا مطلوبًا منه أن يظهر كل يوم أمام الكاميرات.
هناك فرق بين الغياب عن الإعلام والغياب عن صناعة القرار، وبين الصمت الإعلامي والعمل السياسي. وهذا الفرق يبدو أن المقال لم يمنحه ما يستحق من الاعتبار.
يقول المقال إن الملك يواجه ضغوطًا داخلية بسبب العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، ويشير إلى الاستياء الشعبي من وجود القوات الأميركية، ثم يضع ذلك في إطار يوحي بأن الأردن أمام خيار بسيط: إما أن يرضي الشارع أو يحافظ على علاقاته مع واشنطن. لكن السياسة الخارجية ليست بهذه السذاجة.
الأردن دولة تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين وسوريا والعراق وإيران ودول الخليج، وتحيط بها صراعات لا يملك الأردن ترف تجاهلها. وفي مثل هذه البيئة، الحفاظ على الأمن القومي ليس مسألة شعارات، وإنما عملية توازن دقيقة بين مصالح متعارضة وضغوط متناقضة.
والسؤال الذي كان ينبغي أن تطرحه Foreign Policy ليس: لماذا لا يتحدث الملك؟ بل: كيف استطاع الأردن أن يبقى مستقرًا بينما تتغير خرائط المنطقة من حوله؟
المقال يتحدث أيضًا عن الاقتصاد والبطالة والضغوط الاجتماعية، وهي قضايا حقيقية لا ينكرها أردني، ولا ينبغي لأي مسؤول أن ينكرها. لكن تحويل هذه المشكلات إلى دليل على «غياب القيادة» يحتاج إلى أكثر من أرقام واستنتاجات. الأردن ليس اقتصادًا معزولًا عن محيطه؛ فقد تحمل أعباء اللجوء والحروب وإغلاق الحدود واضطراب التجارة والطاقة والسياحة، ودفع أثمانًا مباشرة لأزمات لم يصنعها.
أما القضية الفلسطينية، فهي تحديدًا المجال الذي يصعب فيه فهم الأردن من خلال معيار الظهور الإعلامي. الأردن ليس طرفًا بعيدًا عن القضية، بل دولة ترتبط بها جغرافيًا وتاريخيًا وأمنيًا وإنسانيًا، وتدرك أن أي محاولة لفرض تهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية الفلسطينية ستنعكس مباشرة على أمن الأردن ومستقبله.
ولهذا فإن الموقف الأردني من التهجير ومن القدس ومن حل الدولتين ليس تفصيلًا في السياسة الخارجية، بل مسألة تتصل بالأمن الوطني الأردني نفسه.
أما حديث المقال عن انتقال الأضواء إلى سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، فهذا أمر طبيعي في أي دولة تستعد لمستقبلها. ظهور ولي العهد في المحافل الدولية وقيامه بمهام دبلوماسية لا يعني غياب الملك، كما أن إعداد جيل جديد من القيادة لا يعني وجود أزمة في رأس الدولة.
ثم يأتي السؤال الأهم: لماذا يفترض الكاتب أن انخفاض الظهور الإعلامي يعني انخفاض القيادة؟
لقد عاش العالم خلال السنوات الأخيرة مرحلة أصبحت فيها الصورة أهم من الحقيقة، والتغريدة أهم من القرار، والمؤتمر الصحفي أهم من العمل خلف الكواليس. لكن الدول لا تُدار بهذه الطريقة، خصوصًا الدول الصغيرة التي تقع في قلب أزمات كبرى.
قد يختلف الأردنيون حول سياسات حكوماتهم، وقد ينتقدون أداء مؤسساتهم، ومن حقهم ذلك. وقد يختلفون مع بعض قرارات الملك، وهذا جزء من أي نقاش سياسي صحي. لكن ليس من حق أي تحليل خارجي أن يحول الأردن إلى مجرد مادة تختبر من خلالها فرضية مسبقة عن مستقبل النظام أو يبحث عن مؤشرات انهيار لا يراها الأردنيون على أرض الواقع.
نحن الأردنيين في بريطانيا لا نرفض النقد، بل نرفض أن يُختزل الأردن في سردية جاهزة.
ومن موقعي كرئيس للجالية الأردنية في بريطانيا، أقول للكاتب ولـ Foreign Policy: إذا أردتم أن تعرفوا أين الملك عبدالله، فلا تبحثوا عنه فقط في صفحات الصحف أو في المؤتمرات الصحفية.
انظروا إلى الأردن.
انظروا إلى دولة ما زالت واقفة في منطقة انهارت فيها دول، وتمزقت فيها مجتمعات، وتغيرت فيها أنظمة، وتحولت فيها الحدود إلى ساحات صراع.
انظروا إلى بلد لا يملك النفط ولا الثروات الهائلة، لكنه يحمل أعباء إقليمية تفوق قدراته الاقتصادية.
انظروا إلى جيش يحمي الحدود، ومؤسسات تعمل، ودولة ما زالت حاضرة في الملفات الإقليمية والدولية.
ثم اطرحوا السؤال من جديد.
أين الملك عبدالله؟
الجواب بالنسبة لنا بسيط:
إنه في المكان الذي يراه الأردنيون، حتى لو لم تلتقطه كاميرات Foreign Policy.
والأردن ليس بحاجة إلى أن يثبت وجوده لمجلة أميركية، كما أن الملك عبدالله لا يحتاج إلى شهادة حضور من كاتب يقيس القيادة بعدد المقابلات الصحفية.
لكننا نرحب بالنقد، ونرحب بالأسئلة، ونرحب بكل صحفي يريد أن يفهم الأردن.
فقط لا تسألوا أين الملك قبل أن تسألوا أنفسكم: هل فهمتم الأردن؟