ثمة أشياء كثيرة لا نراها ونحن نمضي في الطرقات. وجوهٌ تعبر أمامنا ثم تختفي، وباعةٌ بسطاء يطاردون رزقهم من شارع إلى شارع، وأمٌّ تمسك يد طفلها بقوة، كأنها تحاول أن تحميه من عالمٍ لا تعرف إلى أين يمضي. وعجوزٌ يجلس وحيدًا على مقعدٍ قديم، يراقب المارة بصمت، وكأنه ينتظر زمنًا مضى ولم يعد.
على قارعة الطريق تبدو الحياة أكثر صدقًا.
هناك لا ترتدي الكلمات بدلاتها الرسمية، ولا تختبئ الحقيقة خلف المكاتب الفخمة، ولا تحتاج المظالم إلى بياناتٍ طويلة كي تثبت وجودها. هناك، يمكن أن ترى الوطن في وجه عاملٍ أنهكه التعب، وفي عين فتاةٍ تحلم بمستقبلٍ لا تخاف فيه من الفقر، وفي يد أبٍ ما زالت تبحث عن عملٍ كي لا يعود إلى بيته خالي الوفاض.
في الشوارع العربية حكاياتٌ لا تنتهي، لكنها غالبًا لا تجد من يصغي إليها.
نحن شعوبٌ أتعبتها السياسة، وأرهقتها الأزمات، وأثقلتها الوعود، لكنها لم تفقد قدرتها على الحلم. كلما أُغلقت نافذة، فتحت نافذة أخرى، وكلما قيل لها إن الطريق مسدود، مشت في الطريق ذاته بحثًا عن منفذ.
ولعل أجمل ما في الإنسان العربي أنه، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادرًا على أن يضحك.
يضحك البائع مع زبونه، ويمازح العامل زميله، وتضحك الأم مع أطفالها رغم ضيق الحال. وكأن الإنسان البسيط يريد أن يقول للحياة: لن أمنحك كل ما تريدين مني، ولن أسمح للحزن أن ينتصر تمامًا.
السياسة في بلادنا ليست مجرد خطبٍ تحت القباب، ولا بياناتٍ تتلى أمام الكاميرات، ولا مؤتمراتٍ تنتهي بالتصفيق.
السياسة هي رغيف الخبز، وثمن الدواء، وأجرة البيت، وفرصة العمل، وسعر المواصلات، ونظافة الشارع، وماءٌ يصل إلى بيت المواطن في موعده، ومدرسةٌ تحفظ كرامة الطالب، ومستشفى يجد فيه المريض طبيبًا ودواءً.
السياسة، في معناها الحقيقي، هي أن يشعر الإنسان أن الدولة تراه.
وأن يسمع المسؤول صوته، ليس عندما تأتي الانتخابات فقط، بل في كل يوم.
ولهذا، فإن أكثر ما يؤلم في المشهد العربي أن المواطن العادي أصبح يدفع أحيانًا ثمن أخطاء لا علاقة له بصنعها. يقرأ عن أرقامٍ اقتصادية ضخمة، بينما جيبه فارغ. يسمع عن مشاريع كبرى، بينما الحي الذي يسكنه ينتظر إصلاح شارع منذ سنوات. يسمع عن العدالة، ثم يرى الواسطة تتقدم أمامه بخطواتٍ ثابتة.
ومع ذلك، لا يزال هذا الإنسان يمنح الحياة فرصة أخرى.
وهنا تكمن عظمة الشعوب.
فالشعوب لا تطلب المستحيل. المواطن البسيط لا يريد قصرًا، ولا يبحث عن حياةٍ خارقة. يريد فقط أن يعيش بكرامة، وأن يطمئن على مستقبل أبنائه، وأن يجد فرصة عمل، وأن يحصل على حقه دون أن يضطر إلى طرق أبواب أصحاب النفوذ.
يريد أن يعرف أن القانون يحميه، لا أن يخيفه.
وأن المسؤول الذي يجلس في مكتبه ليس بعيدًا عن تفاصيل حياته اليومية.
تأملوا الوجوه في الأسواق، على أبواب المدارس، في الحافلات، وفي المقاهي الشعبية. ستجدون فيها وطنًا كاملًا؛ وطنًا لا يريد المستحيل، بل يريد حياةً عادية تحفظ له كرامته، وتعطي أبناءه فرصة عادلة، وتجعله يشعر أن القانون ليس خصمًا له، وأن المسؤول موجود لخدمته لا لإثبات سلطته عليه.
ومن المؤلم أن بعض المجتمعات العربية أصبحت تعاني من اتساع المسافة بين المواطن وصاحب القرار.
مسافةٌ لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالإحساس.
حين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، وأن شكواه لا تجد طريقًا، وأن القرار يُتخذ بعيدًا عن حياته اليومية، يبدأ اليأس بالتسلل إلى روحه.
واليأس أخطر من الفقر أحيانًا.
لأن الفقير يمكن أن يحلم بالغنى، والعاطل يمكن أن يحلم بالعمل، والمريض يمكن أن يحلم بالشفاء، أما اليائس فلا يرى في الغد شيئًا ينتظره.
ومن هنا، فإن مسؤولية السياسة ليست فقط إدارة الدولة، وإنما حماية الأمل في نفوس الناس.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نعيد تعريف القوة.
القوة ليست في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الحواجز، ولا في القدرة على إسكات المختلف. القوة الحقيقية أن تستطيع الدولة أن تجعل مواطنها يشعر بالأمان، وأن يختلف معها دون خوف، وأن ينتقد دون أن يُتهم بالخيانة، وأن يطالب بحقه دون أن يبحث عن واسطة.
وفي الجانب الآخر، ليست المعارضة الحقيقية أن ترفض كل شيء، ولا أن تحول أسئلة الناس إلى شعلة “عتب” دائم؛ قد يتحول الى غضب .
المعارضة التي تستحق الاحترام هي التي ترى الخطأ وتقدم البديل، وتحاسب دون تشهير، وتختلف دون كراهية، وتضع مصلحة الوطن فوق مصلحة الأشخاص.
فالأوطان أكبر من الحكومات، وأبقى من الأحزاب، وأوسع من الأشخاص.
الحكومات تتغير، والمسؤولون يذهبون ويجيئون، لكن الوطن يبقى.
ولهذا لا يجوز أن يتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة مع الوطن، كما لا يجوز أن تتحول محبة الوطن إلى صمتٍ دائم عن الأخطاء.
بين الصمت والفوضى طريقٌ ثالث اسمه: المسؤولية.
أن تقول الحقيقة دون أن تهدم.
وأن تنتقد دون أن تكره.
وأن تطالب بالإصلاح دون أن تفقد احترامك لبلدك.
أما الإنسان، ذلك الكائن الذي يقف دائمًا في منتصف الطريق بين القرارات والنتائج، فلا يريد من السياسة كثيرًا.
يريد أن يعيش.
يريد أن يرى أبناءه يكبرون دون خوف، وأن يعود إلى بيته وفي جيبه ما يكفي، وأن يمرض فيجد علاجًا، وأن يعمل فيجد أجرًا عادلًا، وأن يشيخ دون أن يشعر أنه أصبح عبئًا على أحد.
كم هي بسيطة أحلام الناس، وكم نحن بارعون في تعقيدها!
كم من أبٍ عربي نام وهو يحسب ما تبقى من راتبه، وكم من أمٍ أخفت قلقها عن أبنائها كي لا يشعروا بضيق الحال، وكم من شابٍ يحمل شهادته من مؤسسة إلى أخرى بحثًا عن فرصة، ثم يعود مساءً وهو يحاول أن يقنع نفسه بأن الغد سيكون أفضل.
الغد…
تلك الكلمة الصغيرة التي تعيش عليها شعوبٌ بأكملها.
وعلى قارعة الطريق، لا يحتاج الناس إلى من يبيعهم الأمل بالكلمات، بل إلى من يصنع لهم أسباب الأمل بالفعل.
فرصة عمل، مدرسة جيدة، مستشفى محترم، شارع آمن، قانون عادل، ومؤسسة لا تسأل المواطن: من تعرف؟ بل تسأله: ما حقك؟
تلك هي الدولة التي يحلم بها الناس.
وليس بعيدًا عن ذلك كله، يقف الإعلام.
الإعلام الحقيقي ليس مرآةً للمسؤول فقط، بل مرآةٌ للمجتمع أيضًا. عليه أن يرى الوجه الذي لا يظهر في المؤتمرات، وأن يقترب من الإنسان الذي لا يملك منبرًا، وأن يمنح صوته لمن لا يستطيع الوصول إلى أصحاب القرار.
فالصحافة حين تنحاز إلى الإنسان لا تكون ضد الدولة، بل تكون إلى جانب الدولة التي تريد أن ترى أخطاءها قبل أن تكبر.
والصحفي ليس قاضيًا ولا جلادًا.
إنه شاهد.
يشاهد، ويسأل، ويبحث، وينقل، ويترك للناس حقهم في المعرفة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلام هو أن يفقد حسه الإنساني، فيتحول الإنسان إلى رقم، والمأساة إلى خبر عابر، والفقير إلى صورةٍ في زاوية صحيفة.
الناس ليسوا أرقامًا..
وراء كل رقم قصة، ووراء كل قصة إنسان، ووراء كل إنسان قلبٌ يخاف ويحلم وينتظر.
على قارعة الطريق، تعلمنا الحياة درسًا لا تكتبه كتب السياسة: أن الأوطان لا تُبنى بالأرقام وحدها، ولا بالمشاريع وحدها، ولا بالشعارات وحدها.
الأوطان تُبنى حين يشعر الإنسان أن له قيمة.
وحين يصبح الإنسان غايةً لا وسيلة، يبدأ الوطن بالتعافي.
لذلك، ربما علينا أن نتوقف قليلًا عن النظر إلى الوطن من نوافذ السيارات الفاخرة، وأن ننزل إلى الشارع، نمشي بين الناس، نسمع حكاياتهم، ونرى ما لا تصل إليه التقارير الرسمية.
أن نجلس مع بائعٍ على الرصيف، وأن نصغي إلى عاملٍ في نهاية يومه، وأن نسأل أمًا عن أحلام أبنائها، وأن نعرف لماذا أصبح الشاب يفكر في الهجرة قبل أن يفكر في بناء مستقبله هنا.
هناك، على قارعة الطريق، تسكن الحقيقة.
وهناك أيضًا، رغم التعب والخذلان، يجلس الأمل.
الأمل ليس شعارًا سياسيًا.
الأمل طفلٌ يحمل حقيبته إلى المدرسة.
وأبٌ يفتح دكانه صباحًا.
وفلاحٌ يذهب إلى أرضه.
ومعلمٌ يدخل صفه رغم التعب.
وطبيبٌ يسهر على مريض.
وصحفيٌ يكتب ما يراه، لا ما يُطلب منه أن يراه.
ما دام هؤلاء موجودين، فإن الوطن لم يفقد روحه.
فما دام في هذا الوطن طفلٌ يحلم، وأمٌّ تدعو، وأبٌ يعمل، وشابٌّ يبحث عن فرصة، وامرأةٌ تصر على أن الغد سيكون أفضل، فإن الطريق لم ينتهِ بعد.
إنه فقط يحتاج إلى من يمشي فيه مع الناس، لا فوقهم.
ويحتاج إلى سياسةٍ تسمع قبل أن تتحدث، وإدارةٍ تخدم قبل أن تطلب، وإعلامٍ يسأل قبل أن يصفق، ومجتمعٍ يختلف دون أن يتفتت.
وعندها فقط، قد نكتشف أن قارعة الطريق لم تكن هامشًا للحياة كما ظننا.
كانت الحياة نفسها.
وكانت وجوه الناس، بكل تعبها وصمتها وأحلامها، هي النص الحقيقي الذي يجب أن نقرأه قبل أن نكتب عن الوطن.