تعج الساحة الأميركية السياسية والإعلامية بالعشرات من المقابلات المهمة يوميا ولكن خلال الأيام القليلة الماضية توقفت عند مقابلتين اثنتين لهما بصماتهما الخاصة؛ الأولى أجراها تاكر كارلسون مع ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد في الخامس والعشرين من أغسطس/آب الجاري.
أما الثانية والتى أعتقد أنها مهمة للغاية فهي مقابلة عبد الرحمن السيد مع قناة فوكس نيوز مع جيسي واترز يوم الرابع والعشرين من أغسطس/آب الجاري، هذه المقابلة لم تكن مجرد مقابلة تلفزيونية عابرة بين مرشح ديمقراطي ومقدم برنامج محافظ، كان المشهد، في تقديري، أشبه ما يكون باختبار سياسي مبكر لمرشح يحاول أن يعبر من ضفة الحزب الديمقراطي التقدمية إلى جمهور أوسع في فضاء شيكاغو، وفي الوقت نفسه يواجه ماكينة إعلامية محافظة تنظر إليه باعتباره أحد الوجوه الجديدة لليسار الأميركي.
أهمية المقابلة لا تكمن فقط في الأسئلة التي طرحها واترز، ولا في الإجابات التي قدمها السيد، وإنما في المكان الذي جرت فيه اقصد فوكس نيوز.
فهذه ليست محطة محايدة في المشهد السياسي الأميركي، بل هي واحدة من أهم المنابر الإعلامية للجمهوريين والمحافظين وفوكس نيوز، كما هو معروف يختارها ترمب للإطلالة على جمهوره، ويبدو أن اختيار عبد الرحمن السيد لها ليس عبثيا بل يهدف من خلالها مخاطبة المستقلين وبعض الجمهوريين، ولهذا فإن مجرد جلوسه أمام جيسي واترز كان قراراً سياسياً محسوباً، وليس مغامرة إعلامية. المقابلة كانت واسعة ومشحونة؛ تناولت قضايا كثيرة من الضرائب والرعاية الصحية والحرب مع إيران والهجرة، إلى الرياضة والهوية الجنسية والشريعة الإسلامية، ومن الواضح أن واترز المعروف باستفزازيته لم يكن يبحث عن مقابلة مريحة، بل كان يحاول دفع السيد إلى أكثر المناطق حساسية مثل الهوية الجنسية وغيرها في برنامجه السياسي إلا أن عبد الرحمن السيد نجح أكثر من مرة على إعادة الحوار إلى الاقتصاد وقضايا الحياة اليومية: أسعار الوقود، الغذاء، الرعاية الصحية، وتكاليف المعيشة. وعندما شعر أن الحوار ينزلق بالكامل إلى «حرب ثقافية»، قال السيد بوضوح إنه لا يريد خوض حرب ثقافية وإنما يريد خوض معركة ضد أزمة تكاليف الحياة التي تواجه الأميركيين ، فالسيد يدرك أن الانتخابات الأميركية لا تُحسم دائماً بالقضايا الأيديولوجية الأكثر صخباً، وإنما قد تُحسم في النهاية عند سعر البنزين، وفاتورة العلاج، وأسعار الغذاء، والوظيفة، والقدرة على دفع تكاليف الحياة.
المقابلة لم تخل أيضاً من لحظات شديدة الحساسية ومنها عندما سأله واترز عن موقفه من الإجراءات الطبية المرتبطة بالقاصرين، فرد السيد بسؤاله الذي يقدر بمليون دولار، حسب تعبير الإعلامي اللبناني جورج قرداحي: «هل أنت مختون؟»، أراد السيد من خلال هذا السؤال أن يبني حجة حول حق الوالدين والأطباء في اتخاذ القرارات الطبية بعيداً عن تدخل الحكومة، لكن العبارة تحولت سريعاً إلى عنوان للمقابلة نفسها، واستثمرها الإعلام المحافظ في مهاجمة عبد الرحمن السيد. يمكنني القول إن عبد الرحمن السيد وجه لكمة غير متوقعه لواترز في قضية حساسة للغاية أظهرته مرتبكا للغاية ومتفاجئا !!
منذ إجراء المقابلة إلى اليوم أخذ الإعلام المحافظ يعمل على تعزيز صورة عبد الرحمن السيد كمرشح يساري متطرف وفي تناقض تام قدمه أيضا كشخص متمسك بالشريعة الإسلامية والتوجهات اليسارية كالرعاية الصحية والتحولات الجنسية للقاصرين.
لكن في تقديري أن الانطباع الذي سيبقى عالقا في أذهان الجمهور اليميني في الحزب الجمهوري وعموم الجمهور الأميركي أن عبد الرحمن السيد هو رجل سياسي من أصول عربية، واثق من نفسه، قادر على مواجهة مقدم برامج مستفز أمام جمهوره وفي عرين هذا الجمهور لم يبد عليه الخوف من الأسئلة الصعبة، وهذه نقطة ليست قليلة القيمة والأهمية بل على العكس، فالظهور على فوكس نيوز منح «عبدول» فرصة للوصول إلى أشخاص ربما لم يكونوا سيشاهدونه على قناة أخرى، وبالتالي دخل إلى فضاء الجمهوريين بدون استئذان ومن دون أن يعتذر عن هويته أو أفكاره وهنا يكمن عنصر قوة السيد وقوة المقابلة.