تأبط وطنا….
هناك سؤال قديم يتكرر بين مكونات المجتمع الأردني مع كل حكومة وكل تعديل وزاري، وربما أصبح جزءاً من الحديث اليومي أكثر من كونه سؤالاً سياسياً عابراً: كيف يصبح شخص ما وزيراً في الأردن؟ ولماذا يخرج؟ ولماذا يعود؟ ولماذا يُنقل من حقيبة إلى أخرى؟ والأهم من ذلك كله: ما المعايير التي تجعل اسماً معيناً يصل إلى مقعد الوزارة، بينما تبقى أسماء أخرى، ربما أكثر كفاءة أو خبرة، خارجه؟
دستورياً، تبدو الإجابة واضحة؛ فالملك يعيّن رئيس الوزراء ويقيله، ويعيّن الوزراء ويقيلهم بناءً على تنسيب رئيس الوزراء. لكن هذه الإجابة تشرح لنا الإجراء الدستوري، ولا تجيب عن السؤال الذي يشغل الشارع الأردني فعلياً: كيف يُختار الشخص قبل أن يصل اسمه إلى الإرادة الملكية؟ هنا تبدأ المنطقة التي لا يعرف المواطن تفاصيلها، ويبدأ معها سيل التكهنات والتفسيرات.
هل المعيار هو الكفاءة والخبرة؟ أم التخصص؟ أم القدرة على إدارة ملف معين؟ أم القدرة السياسية؟ أم التوازنات الاجتماعية والجغرافية؟ أم العلاقات والثقة السياسية؟ أم أن الاختيار في النهاية مزيج من كل هذه العوامل؟ المشكلة أن المواطن يرى النتيجة، لكنه لا يرى دائماً المعايير التي أنتجت هذه النتيجة. يعرف من أصبح وزيراً، لكنه لا يعرف لماذا أصبح وزيراً.
ولذلك فإن كل تعديل وزاري يعيد إنتاج السؤال نفسه. عندما يخرج وزير من الحكومة، لا يعرف الأردني في كثير من الأحيان هل كان خروجه بسبب ضعف الأداء، أم بسبب تغيير في أولويات الحكومة، أم نتيجة خلاف سياسي، أم لأن المرحلة احتاجت إلى شخصية أخرى. وعندما يعود وزير سابق إلى موقع جديد، يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كان أداؤه غير مقنع، فلماذا عاد؟ وإذا كان أداؤه جيداً، فلماذا خرج أصلاً؟
ومن هنا جاءت ظاهرة «التدوير» التي أصبحت مألوفة في الحياة السياسية الأردنية. وزير ينتقل من حقيبة إلى أخرى، وشخصية تغادر الحكومة ثم تعود إليها في حكومة لاحقة، وأسماء تتكرر في مواقع مختلفة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن “التدوير” أمر سلبي؛ فقد يمتلك الوزير خبرة تؤهله لأكثر من موقع، وقد يكون انتقاله من حقيبة إلى أخرى قراراً منطقياً يخدم العمل الحكومي. لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن أن عملية “التدوير”أصبحت أحياناً بديلاً عن إنتاج قيادات جديدة، وأن دائرة الاختيار لا تزال تدور حول مجموعة محدودة من الأسماء.
وهنا لا يعود السؤال: هل لدينا كفاءات؟ فالأردن لا يفتقر إلى الخبرات والكفاءات في مختلف المجالات. السؤال الأصعب هو: كيف نكتشف هذه الكفاءات ونحوّلها إلى قيادات سياسية قادرة على إدارة الدولة؟ وهل توجد فعلاً آلية واضحة ومؤسسية لاختيار الوزراء، أم أن عملية البحث عن الأسماء تبدأ في كل مرة مع تشكيل حكومة أو إجراء تعديل؟
قد يكون من الظلم اختزال تشكيل الحكومات في قرار فردي أو في تفسير واحد. فالسياسة أكثر تعقيداً من ذلك. هناك اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية، وهناك طبيعة المرحلة والملفات التي تحتاج إلى إدارة، وهناك تقييم للأشخاص وقدرتهم على العمل ضمن الفريق الحكومي. وهذه الاعتبارات موجودة في معظم الدول، وليست ظاهرة أردنية خالصة. لكن خصوصية الحالة الأردنية تكمن في أن الجزء الأكبر من هذه العملية السياسية التي تسبق الإعلان الرسمي لا يكون واضحاً للرأي العام.
المواطن يرى القرار النهائي، لكنه لا يرى الطريق الذي أدى إليه. يرى الوزير يدخل الوزارة، لكنه لا يعرف لماذا اختير. ويرى وزيراً يخرج منها، لكنه لا يعرف بالضرورة لماذا غادر. وقد يرى الوزير نفسه بعد فترة في موقع آخر، فيزداد شعوره بأن هناك «مطبخاً» سياسياً لا يعرف قواعده.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: الصلاحية الدستورية من جهة، والتأثير السياسي الفعلي من جهة أخرى. الدستور يحدد بوضوح كيفية تعيين الوزراء، لكن ذلك لا يعني أن عملية الاختيار نفسها بسيطة أو ميكانيكية. فقبل صدور القرار الرسمي هناك بالضرورة تقديرات ومشاورات وقراءات للمرحلة. المشكلة ليست في وجود هذه العملية، وإنما في أن المواطن لا يعرف ما يكفي عن معاييرها.
وربما لهذا السبب يصبح الحديث عن التعديلات الوزارية في الأردن حديثاً عن الأشخاص أكثر منه عن السياسات. يدخل فلان ويخرج علان، ويُنقل وزير من حقيبة إلى أخرى، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: ما الذي سيتغير في السياسة العامة؟ وما المهمة التي جاء الوزير الجديد لتنفيذها؟ وكيف سيقاس نجاحه؟ وإذا فشل، هل ستكون هناك مسؤولية واضحة؟ وإذا خرج بسبب الفشل، هل يمكن أن يعود إلى موقع آخر؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من معرفة اسم الوزير المقبل.
ففي الدولة الحديثة لا ينبغي أن تكون الوزارة مجرد منصب أو محطة في السيرة الذاتية، وإنما تكليفاً عاماً له أهداف ونتائج ومسؤولية. ومن حق المواطن أن يعرف، بالقدر الممكن، لماذا اختير هذا الشخص، وما المطلوب منه، وكيف ستتم محاسبته.
ولعل التحول نحو الحكومات البرلمانية والحزبية الذي يسير فيه الأردن يمكن أن يساهم مستقبلاً في جعل هذه العملية أكثر وضوحاً. فكلما أصبحت الأحزاب والكتل البرلمانية أكثر حضوراً في تشكيل الحكومات، يصبح من الأسهل على المواطن أن يربط بين الوزير والبرنامج السياسي الذي جاء به، وأن يعرف من يتحمل مسؤولية نجاحه أو فشله.
وفي النهاية، فإن السؤال الأردني الحقيقي ليس فقط: «من يملك قرار التوزير؟» بل «ما المعايير التي يُتخذ القرار على أساسها؟».
فحين نعرف لماذا جاء الوزير، وماذا طُلب منه، وما الذي حققه، ولماذا غادر، يصبح التغيير الوزاري ممارسة سياسية مفهومة، لا مجرد تغيير في الأسماء.
وربما عندها يتغير السؤال الذي ظل الأردنيون يطرحونه لعقود: بدلاً من أن نسأل «مين الوزير الجاي؟»، سنسأل السؤال الأهم: ماذا سيقدم الوزير؟ وكيف سنحاسبه؟