في زمنٍ تتزاحم فيه الأسئلة الكبرى، وتضيق فيه مساحات الحوار الحقيقي، وجهت لي دعوة إلى لقاءٍ سياسي إصلاحي في بيت أحد الأصدقاء الناشطين في العمل السياسي والاجتماعي، في مدينة إربد شمال العاصمة الأردنية، كنافذة أملٍ تُفتح بهدوء، لكنها تحمل في طيّاتها ما هو أبعد من مجرد اجتماع عابر، أو جلسةٍ لتبادل المجاملات.
لم يكن اللقاء مناسبة بروتوكولية، ولا استعراضًا للنخب، بل مساحة صادقة جمعت وجوهًا مختلفة المشارب، متقاربة في الجوهر؛ جمعتهم : الفكرة…الحلم… والطموح في إحداث تغيير حقيقي نحو الأفضل في الدولة الأردنية، تغيير لا يقوم على ردّات الفعل، بل على وعيٍ متراكم ورؤيةٍ تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.
على طاولة واحدة، جلس أكاديميون، ونواب سابقون، وإعلاميون، ويساريون، ورجال دين، في مشهد يعكس تنوّعًا معرفيًا وخبرةً تراكمت عبر سنوات طويلة. لم يكن هذا التنوع عبئًا، بل مصدر قوة، إذ التقت هذه الخلفيات المختلفة عند سؤالٍ مركزي: كيف يمكن إعادة الاعتبار لصوت الحكمة في زمن الضجيج؟ وكيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة بين المجتمع ومؤسساته؟
دار الحديث بصراحة، بلا أقنعة، حول الحاجة إلى رؤية إصلاحية سياسية لا تكتفي بالشعارات، بل تسعى إلى تعميق الوعي المجتمعي، وإعادة تعريف دور المواطن كشريكٍ في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ له. وتوقف الحاضرون مطولًا عند حالة الصمت التي باتت تُخيّم على المشهد العام، صمتٌ لا يعكس رضا، بقدر ما يُخفي قلقًا وترددًا، وربما شعورًا بعدم الجدوى.
وفي هذا السياق، برزت مخاطر تغييب صوت الحكمة، وتراجع دور النخب في التأثير، مقابل تصاعد خطابٍ سريعٍ ومشحون لا يُنتج حلولًا بقدر ما يُفاقم الانقسام. وهنا، كان التأكيد واضحًا: إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من استعادة التوازن، وإفساح المجال أمام الرأي المسؤول، الذي يجمع بين الجرأة والانتماء.
كما تناول النقاش مسألة الإقصاء وإلغاء الآخر، بوصفها واحدة من أخطر التحديات التي تواجه أي مشروع إصلاحي. فالدولة التي لا تتسع للاختلاف، تفقد قدرتها على التطور، والمجتمع الذي يُقصي أصواته المتعددة، يُفرّغ نفسه من طاقته الحيوية. لذلك، كان الإجماع على أن الاختلاف ليس تهديدًا، بل ضرورة، شرط أن يُدار ضمن إطار وطني جامع يحفظ الثوابت، ويُتيح التنوع.
ولم يكن الهدف من اللقاء صياغة بيانٍ ختامي، أو الخروج بتوصياتٍ جاهزة، بقدر ما كان البحث الجاد عن آلية تُعيد جمع النخبة الأردنية في إطار فكري موحّد، قادر على إنتاج خطابٍ عقلاني، يتفاعل مع الناس، ويُخاطب همومهم، ويُعيد للسياسة معناها الحقيقي كأداة إصلاح لا كمساحة صراع.
لقد كان واضحًا أن ما يجمع الحاضرين ليس الموقع ولا المصلحة، بل الإيمان بأن الأردن، بكل ما يواجهه من تحديات، ما زال يملك فرصة النهوض، إذا ما توفرت الإرادة، وتكاملت الجهود، وتم الإصغاء لصوت العقل قبل فوات الأوان.
في ذلك البيت، في إربد، لم يكن الحديث عن السياسة بوصفها سلطة، بل بوصفها مسؤولية. ولم يكن النقاش ترفًا، بل ضرورة. وربما هذا ما يحتاجه الأردن اليوم… أن تُستعاد المساحات الآمنة للحوار، وأن تُصان كرامة الكلمة، وأن يُفتح الباب أمام كل من يحمل فكرة صادقة، دون خوف أو إقصاء.
فحين تجتمع الفكرة… ويُصغى للحلم… ويتحوّل الطموح إلى عملٍ مشترك، يصبح الإصلاح ممكنًا، لا كشعارٍ يُرفع، بل كمسارٍ يُبنى خطوةً خطوة.

