3
لندن: محمد الطّورة
مظلوم عبدي… حين يتحول الاسم إلى سؤال عن المظلومين
أحيانًا لا يكون الخبر في الخبر نفسه، بل في كلمة عابرة تستوقفنا، أو اسم يمر أمام أعيننا فنشعر أنه يقول أكثر مما يقوله صاحبه.
شدّني، وأنا أقرأ خبر تعيين الرئيس السوري أحمد الشرع مصطفى خليل عبدي، المعروف باسم «مظلوم عبدي»، مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية، شيء ربما لا يلتفت إليه كثيرون.
ليس المنصب هو ما استوقفني.
فالسياسة بطبيعتها متحركة، والدول تعيد ترتيب مواقعها، والخصوم قد يصبحون شركاء، والمقاتل قد يتحول إلى سياسي، ومن كان خارج مؤسسات الدولة قد يصبح يومًا جزءًا منها.
لكن الذي استوقفني هو الاسم نفسه: «مظلوم عبدي»
يا لها من مصادفة لغوية غريبة وعميقة!
«مظلوم عبدي»
كأن الاسم، من حيث لا يقصد صاحبه، يحمل سؤالًا إنسانيًا قديمًا قدم الإنسان نفسه:
كم من مظلوم بين عباد الله عاش ومات دون أن يصل إلى حقه؟
وكم من إنسان كان اسمه مواطنًا، لكن وطنه لم يمنحه كامل معنى المواطنة؟
وكم من إنسان ولد على أرض بلاده، وتكلم لغة آبائه، وحمل ذاكرتها، وعاش أفراحها وأحزانها، ثم اضطر أن يقضي عمره كله في البحث عن اعتراف بأنه جزء منها؟
هنا يصبح الاسم أكبر من صاحبه.
ويصبح «مظلوم عبدي»، في هذه اللحظة السياسية بالذات، عبارة تصلح لأن تكون عنوانًا لتأمل أوسع من الخبر نفسه.
ففي حياة كل إنسان، بطريقة أو بأخرى، حكاية حق ينتظره، أو حلم تأخر، أو أمنية لم تتحقق، أو لحظة شعر فيها أن شيئًا من حقه لم يصل إليه.
وقد لا يكون الظلم دائمًا قضية كبرى تُكتب في الكتب؛ أحيانًا يكون ظلمًا صغيرًا يسكن قلب إنسان، أو حقًا ضاع في الطريق، أو كلمة إنصاف تأخرت كثيرًا.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نتمناه لأي مرحلة سياسية جديدة، ليس فقط أن تتغير المواقع والأدوار، وإنما أن تتسع مساحة الإنصاف والمواطنة والكرامة، وأن يشعر الإنسان أن وطنه يتسع له، وأن حقه لا يحتاج إلى قوة تحميه، ولا إلى خصومة يثبت بها وجوده.
وربما تكون أجمل دلالة لهذا الاسم أن يتحول من مجرد اسم لشخص إلى تذكير هادئ بكل مظلوم يتمنى أن يأتي يوم لا يحتاج فيه إلى أن يرفع صوته كي يُسمع، ولا أن يثبت مظلوميته كي يحصل على حقه.
ولعل أجمل ما في هذه المصادفة أن الاسم نفسه يبدو كأنه يحمل رسالة إلى صاحب القرار: «عبدي مظلوم»… فأنصِفه. وكأن هناك من نبّه إلى المظلمة قبل أن تُقال، ودلّ على صاحبها قبل أن يُعرَف، ثم جاءت لحظة الإنصاف لتمنح الاسم معنى يتجاوز صاحبه.
كلمتان «مظلوم عبدي»تبدوان في ظاهرهما مجرد اسم، لكنهما تفتحان بابًا واسعًا على سؤال إنساني عابر للحدود والانتماءات:
كم من مظلوم بين عباد الله ينتظر لحظة إنصاف؟
وكم من إنسان لا يريد أكثر من أن يعيش مكرّمًا، آمنًا، حرًا، وأن يجد في وطنه المكان الذي يشبهه ويشعر فيه أنه ليس غريبًا؟
لعل أجمل ما في الحكاية كلها أن يصبح الاسم، دون أن يقصد صاحبه، دعوة إلى معنى نبيل:
أن يأتي يوم لا يبقى فيه مظلوم يبحث عن حقه، ولا مواطن يبحث عن وطنه، ولا إنسان يبحث عن كرامته.
فحين تتحقق العدالة، يصبح اسم «مظلوم» مجرد اسم… ولا يعود وصفًا لحياة أحد.
*ملاحظة: المقال لا يناقش مظلومية صاحب الاسم من عدمها، ولا يقيّم تاريخه أو مواقفه؛ إنما يتناول دلالة الاسم «مظلوم عبدي» ومصادفته مع لحظة التعيين، بوصفها مدخلًا لتأمل إنساني في معنى الإنصاف.