لندن: محمد الطّورة
في هذا المقال لا أتناول مسألة نظرية أو جدلًا فقهيًا مجردًا، وإنما أكتب من واقع تجربة شخصية عانيتُ فيها – كما قد يكون عانى غيري – من الامتناع والمماطلة في تنفيذ حكم قضائي قطعي صادر عن محكمة التمييز الأردنية، وهو حكم صدر باسم جلالة الملك، بما يحمله ذلك من دلالة دستورية ورمزية وسيادية لا يجوز الانتقاص منها أو التعامل معها باعتبارها شأنًا إداريًا قابلاً للتأجيل أو التسويف. لقد انتظرت تنفيذ القرار رغم وضوح منطوقه وقطعيته، إلا أن التأخير غير المبرر والمماطلة المستمرة حوّلا الحكم من أداة لإنصاف الحق إلى عبء نفسي ومالي ومعنوي، وأدخلاني في دوامة من القلق وعدم الاستقرار، فضلًا عما ترتب على ذلك من أضرار مادية مباشرة وخسارة فرص حقيقية كان من الممكن أن تغيّر مساري المهني والشخصي. إن أكثر ما يؤلم في مثل هذه الحالات ليس فقط حجم الضرر، بل الإحساس بأن حكمًا قضائيًا نهائيًا، صدر باسم جلالة الملك ومن أعلى سلطة قضائية في البلاد، لم يجد طريقه إلى التنفيذ الفوري كما يقتضي الدستور والقانون، الأمر الذي يدفع إلى طرح تساؤلات جدية حول احترام حجية الأحكام القضائية ومدى التزام الجهات الرسمية بواجبها القانوني في تنفيذها دون إبطاء أو تعطيل.
إن امتناع أو تأخير بعض المؤسسات والدوائر الرسمية في المملكة الأردنية الهاشمية عن تنفيذ الأحكام القضائية القطعية، ولا سيما الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية، يُعد سلوكًا خطيرًا يمس جوهر دولة القانون ويقوض الثقة بالعدالة. فالحكم القضائي القطعي ليس مجرد رأي قانوني أو توصية إدارية قابلة للأخذ والرد، بل هو عنوان الحقيقة القانونية، وقرار ملزم واجب النفاذ فور صدوره واكتسابه الدرجة القطعية، ولا تملك أي جهة رسمية مهما كانت سلطة تعطيله أو تأجيله أو التحلل منه تحت أي مبرر إداري أو مالي أو تنظيمي.
إن الدستور الأردني قد أرسى مبدأ سيادة القانون وأكد استقلال القضاء، وجعل الأحكام تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك، وهو ما يمنحها قوة إلزامية مطلقة في مواجهة جميع السلطات، بما فيها السلطة التنفيذية. ومن ثم فإن أي امتناع عن التنفيذ أو تأخير غير مبرر يشكل خروجًا صريحًا على أحكام الدستور وإهدارًا لمبدأ الفصل بين السلطات، إذ لا يجوز للإدارة أن تضع نفسها في موقع الرقيب على القضاء أو أن تتعامل مع الحكم القطعي وكأنه قرار قابل للمراجعة أو التقدير.
وإذا كان الأصل أن الإدارة تُجسد المشروعية وتحترم القانون، فإن امتناعها أو تأخرها عن تنفيذ حكم قطعي صادر عن محكمة التمييز يمثل خطأً جسيمًا لا يقف أثره عند حدود المخالفة الإدارية، بل يمتد إلى نطاق المسؤولية الجزائية. فقانون العقوبات الأردني يُجرّم امتناع الموظف العام عن تنفيذ الأحكام القضائية الواجبة النفاذ متى كان التنفيذ داخلًا في اختصاصه وثبت علمه بالحكم، ويُعد التأخير المتعمد في حكم الامتناع إذا أدى إلى إفراغ الحكم من مضمونه أو حرمان المحكوم له من حقه. إن المماطلة والتسويف واشتراط إجراءات لا سند لها في منطوق الحكم أو في القانون ليست سوى صور مقنّعة للامتناع، ولا تغير من التكييف القانوني للفعل.
ولا يقتصر الأمر على المسؤولية الجزائية، بل يترتب أيضًا قيام المسؤولية التأديبية بحق الموظف الممتنع، إذ يشكل هذا السلوك إخلالًا جسيمًا بواجبات الوظيفة العامة، ويستوجب المساءلة أمام الجهات الرقابية المختصة، بما في ذلك هيئة النزاهة ومكافحة الفساد الأردنية، فضلًا عن الجزاءات التي قد تصل إلى العزل من الوظيفة. كما أن الإدارة ذاتها تتحمل المسؤولية المدنية إذا ترتب على عدم التنفيذ ضرر مادي أو معنوي للمحكوم له، ويحق لهذا الأخير اللجوء إلى المحكمة الإدارية الأردنية للطعن في الامتناع باعتباره قرارًا إداريًا سلبيًا مخالفًا للقانون والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عنه.
إن الامتناع أو التأخير عن تنفيذ حكم قضائي قطعي لا يمس مصلحة فرد فحسب، بل يمس هيبة الدولة وثقة المجتمع بمنظومة العدالة، ويخلق انطباعًا خطيرًا بأن الإدارة تستطيع أن تنتقي الأحكام التي تنفذها وتؤجل ما لا يتوافق مع مصالحها أو تقديراتها. وهذا أمر يتعارض مع أبسط مبادئ دولة القانون، إذ لا قيمة لحكم لا يُنفذ، ولا معنى لاستقلال القضاء إذا كانت قراراته عرضة للتعطيل الإداري.
وعليه، فإن استمرار بعض الجهات الرسمية في تأخير تنفيذ الأحكام القطعية الصادرة عن محكمة التمييز يشكل سابقة خطيرة تستوجب الوقوف عندها بحزم، وتفعيل أدوات المساءلة الجزائية والإدارية، ضمانًا لاحترام القضاء وصونًا للحقوق المكتسبة. فالتنفيذ ليس منّة من الإدارة، بل التزام قانوني ودستوري واجب، وأي إخلال به يُعد عدوانًا على المشروعية وانتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة القانون الذي قامت عليه الدولة الأردنية الحديثة.

