لندن: محمد الطّورة
ما دفعني إلى كتابة هذه الكلمات ليس موقفًا عابرًا، ولا رغبةً في الدخول في تفاصيل خلافٍ بعينه، وإنما ما أسمعه، وألمسه، وأشهده منذ سنوات من إعجابٍ وتقديرٍ للأردن وقيادته وشعبه؛ لما عُرف عن هذا البلد من تماسكٍ اجتماعي، وأواصر محبة، وروحٍ قادرة على تجاوز الخلاف، والانتصار للتسامح والصفح ولمّ الشمل.
وقد لا تكفي الكلمات لوصف ما شاهدته بنفسي؛ فقد عايشت مواقف رأيت فيها هذه القيم تُمارس على أرض الواقع، لا كشعارات تُقال، وإنما كسلوكٍ راسخ في المجتمع، وكجزء من ثقافةٍ تربّى عليها الأردنيون، وتكرست في علاقتهم ببعضهم وبمن حولهم.
ولعل ما يلفت النظر أكثر أن الأردن، رغم ما مرّ به محيطه من أزماتٍ وانقساماتٍ وصراعات، بقي في نظر كثيرين مساحةً للتهدئة والاحتواء، وبلدًا تُقدَّم فيه صلة الرحم، والمحبة، والتسامح، على نزعات الانتقام والقطيعة والصراع على المناصب والمواقع والممتلكات.
ومن هنا جاءت هذه السطور؛ تأملًا في معنى الأخوّة، وفي هشاشة الخلاف حين تتدخل الوشايات وسوء التقدير، وفي قدرة القلوب الكبيرة على أن ترى ما هو أبعد من لحظة الغضب.
في حياة الإخوة، قد تختلف وجهات النظر، وقد يخطئ أحدهم في تقدير موقف، وقد تتعقد الأمور بفعل كلمة قيلت في لحظة غضب،أو تصرف احتمل التأويل، أو وشاية نقلها من لا يريد الخير، أو رواية التقطها بعض الباحثين عن الفرص ليصعدوا على أكتاف الآخرين.
لكن مهما اشتدت الخلافات، تبقى هناك حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط الضجيج: الأخوّة ليست علاقة عابرة تهدمها لحظة اختلاف، ولا رابطة تنتهي بسوء تقدير أو تدخل الآخرين.
فالأخ يبقى أخًا، والدم لا يتغير بتغير المواقف، والسنوات التي جمعت القلوب لا ينبغي أن تمحوها لحظة عابرة.
في كل مجتمع ما أكثر الذين يعيشون على اقتناص الخلافات بين الآخرين؛ يوسعون الشقوق الصغيرة حتى تصبح جدرانًا، وينقلون الكلام حتى تتبدل معانيه، ويقتاتون على الخصومات ليصنعوا لأنفسهم مكانًا لم يكن لهم. وهؤلاء، مهما بلغ أثرهم، يبقون عابرين، بينما تبقى علاقة الأخوة أعمق وأبقى من أن تختزل في رواية أو موقف
إن الخلاف بين الإخوة قد يكون مؤلمًا، لكنه ليس بالضرورة نهاية الطريق. ففي بعض الأحيان تكون الحكمة أن نتوقف قليلًا، وأن نعيد قراءة ما حدث بعيدًا عن الغضب، وأن نسأل أنفسنا: هل يستحق اختلاف في الرأي أن يهدم ما بنته السنين؟ وهل يستحق سوء تقدير أن يجعل القلوب المتقاربة غريبة عن بعضها؟
فالأخوّة منزلة أعلى من الخلاف، وأسمى من الحسابات، وأقوى من وشاية عابرة ومغرضة.
ولأن الأردن بلدٌ عوّدنا قادته الهاشمين، على مر السنين، أن يكون التسامح فيه لغة الأقوياء، وأن تمتد يد الصفح إلى البعيد قبل القريب، فقد ترسخت صورته في وجدان شعوب عانت مرارة التناحر بين أبنائها، فرأت في الأردن وقيادته ملاذًا للحكمة، وجسرًا للمصالحة، ونموذجًا يجمع ولا يفرّق.
وفي بلدٍ يحمل إرثًا هاشميًا عريقًا، تبقى أجمل صور القوة حين تكون في جمع القلوب، وأعظم الانتصارات حين تُطوى صفحات الخلاف، ويُترك للتسامح أن يصنع ما تعجز عنه الخصومة.
فالأوطان القوية لا تقوم فقط على الأنظمة والقوانين، وإنما تقوم أيضًا على أسر متماسكة، وقلوب تعرف قيمة صلة الرحم، وقيادات تدرك أن جمع القلوب أعظم أثرًا من تعميق الفواصل بينها.
ولذلك، فإن أعظم لحظات القوة ليست دائمًا في التشدد والانتصار للرأي، وإنما قد تكون في لحظة يختار فيها الإنسان أن يطوي صفحة مؤلمة، وأن يمنح للمحبة فرصة جديدة، وأن يقول: لقد اختلفنا، لكننا لم نفقد أخوّتنا.
وما أجمل أن تكون الحكمة، حين تبلغ الخلافات منتهاها، هي التي تفتح الطريق أمام المصالحة، وأن يكون للرحمة مكان حين تضيق مساحات الكلام.
فالتاريخ لا يتذكر فقط من انتصر في الخصومة، وإنما يتذكر أكثر من امتلك شجاعة إنهائها.
فما دام في القلوب متسع للمحبة، فليس هناك خلاف أكبر من الأخوّة، ولا جرح يستحق أن يكون نهاية للحكاية.