لندن: محمد الطّورة
بشر الخصاونة.. رجل دولة في زمن العواصف
في الحياة السياسية، هناك من يصل إلى المنصب بحكم الظروف، وهناك من يصل إليه حاملاً معه رصيداً من الخبرة والمعرفة يؤهله لتحمل أعباء المسؤولية. ومن بين هؤلاء يبرز اسم دولة الدكتور بشر هاني الخصاونة، الذي تولى رئاسة الوزراء في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الأردن الحديث، واستمر في موقعه نحو أربع سنوات، ليكون صاحب أطول فترة رئاسة للوزراء في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني حتى ذلك الوقت.
لم تكن سنوات الخصاونة في الدوار الرابع سنوات عادية؛ فقد بدأ مهمته في خضم جائحة كورونا وما رافقها من تحديات صحية واقتصادية واجتماعية، ثم جاءت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصولاً إلى الحرب على غزة وانعكاساتها الكبيرة على الأردن والمنطقة.
وفي ظل هذه الظروف المتشابكة، استطاعت الدولة الأردنية أن تحافظ على تماسكها واستقرارها، وأن تواصل مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري. وهنا تكمن أهمية تجربة الخصاونة؛ فالنجاح في إدارة الدولة لا يعني غياب الأزمات، وإنما القدرة على عبورها دون السماح لها بأن تهدد استقرار الدولة أو تعطل مسيرتها.
ولعل ما ساعده على ذلك الخلفية التي جاء منها. فهو رجل قانون ودبلوماسي وسياسي، درس في مؤسسات عالمية أكاديمية مرموقة، وعمل في السلك الدبلوماسي، وتولى عدداً من المواقع الحكومية والدبلوماسية، قبل أن يصبح مستشاراً لجلالة الملك ثم رئيساً للوزراء.
ولم يكن الدكتور بشر الخصاونة غريباً عن أجواء السياسة والدبلوماسية؛ فقد نشأ في أسرة ارتبط عدد من أفرادها بالعمل العام وخدمة الوطن، وكان لوالده، معالي الدكتور هاني الخصاونة، حضور بارز في الحياة السياسية والدبلوماسية الأردنية، إذ عمل بمعية المغفور له الملك الحسين بن طلال، وتولى عدداً من المناصب الوزارية، كما مثّل الأردن سفيراً في عدد من الدول. وقد وفرت له هذه البيئة العائلية منذ وقت مبكر معرفة قريبة بعالم الدولة والسياسة والدبلوماسية، قبل أن يبني مسيرته الخاصة التي قادته، بما امتلكه من تأهيل وخبرة، إلى مواقع متعددة في خدمة الأردن، وصولاً إلى رئاسة الحكومة.
ومن أبرز ما أسهم في صقل شخصيته السياسية وتعزيز خبرته في إدارة شؤون الدولة عمله بمعية جلالة الملك عبدالله الثاني، وما أتاحه له ذلك من قرب مباشر من ملفات الدولة وصناعة القرار، والتعامل مع القضايا الوطنية والإقليمية والدولية، إلى جانب الاحتكاك المستمر بمختلف التحديات التي واجهت الأردن والمنطقة. وقد أسهمت هذه التجربة في تعميق فهمه لطبيعة الدولة وتحدياتها، وإكسابه خبرة واسعة في إدارة الأزمات والتعامل مع مختلف الأطراف والعواصم، وهي خبرة انعكست بوضوح عندما تولى رئاسة الحكومة في مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد.
وقد جمع الدكتور الخصاونة بين القانون والدبلوماسية والسياسة، وهي تركيبة منحته قدراً من الحنكة والهدوء في إدارة الملفات. فهو يدرك أن السياسة ليست صداماً دائماً، وأن إدارة الاختلاف تحتاج إلى الحوار والمرونة بقدر حاجتها إلى الحزم.
وانعكس ذلك أيضاً في تعامله مع مجلس النواب. فبرغم سخونة الحياة البرلمانية وكثرة الملفات والقضايا الخلافية، حافظ في الغالب على لغة هادئة تقوم على الحوار والاحترام، واستطاع التعامل مع النواب بسلاسة، دون أن يعني ذلك التخلي عن مواقف الحكومة أو ثوابتها.
أما الجانب الذي أجد من المهم أن أشير إليه، فهو شخصية بشر الخصاونة الإنسانية، وهو أمر أتحدث عنه من تجربة شخصية وليس من مجرد انطباعات متداولة.
فقد تزاملت معه في العمل في السفارة الأردنية في لندن خلال تسعينيات القرن الماضي، في مرحلة مبكرة من مسيرته الدبلوماسية، وعرفته قبل أن تتوالى عليه المناصب والمسؤوليات. ومن خلال تلك الزمالة، لمست عن قرب ما يتمتع به من هدوء وتهذيب وحسن تعامل مع الآخرين، وهي صفات أرى أنها بقيت جزءاً أصيلاً من شخصيته مع انتقاله لاحقاً إلى مواقع أكثر مسؤولية في الدولة.
ولذلك، فإن حديثي عن هذا الجانب لا يستند إلى ردود الأفعال المتفاوتة التي ترافق عادةً تقييم الشخصيات السياسية، ولا إلى موقعه كرئيس للوزراء، وإنما إلى معرفة شخصية بدأت قبل أن يصبح صاحب منصب سياسي رفيع. وهذا، في تقديري، يجعل الشهادة في حقه مختلفة؛ لأنها تتناول الإنسان قبل المسؤول، والشخصية قبل المنصب.
وقد جمع الخصاونة في مسيرته بين العمل الدبلوماسي والقانوني والسياسي، وصولاً إلى رئاسة السلطة التنفيذية لأربع سنوات، ثم انتقاله إلى مجلس الأعيان، ليواصل من موقعه الحالي أداء دوره في خدمة الدولة.
بشر الخصاونة ليس مجرد رئيس وزراء سابق، بل رجل دولة صقلته بيئة سياسية ودبلوماسية، وخبرة قانونية ودبلوماسية، وعمل بمعية جلالة الملك، وامتلك القدرة على إدارة التعقيد بهدوء، وظل محتفظاً في تعامله مع الآخرين بصفة قد تكون من أثمن صفات المسؤول: الأدب والاحترام.
وفي زمن تتبدل فيه المواقع والمواقف، تبقى معرفة الإنسان قبل المنصب هي الاختبار الأكثر صدقاً للشخصية، وربما لهذا السبب تحديداً أجد أن تجربتي مع بشر الخصاونة في تسعينيات القرن الماضي تمنحني زاوية مختلفة للحديث عنه اليوم.