ليس كل خبر يستحق رداً… فبعض الإجراءات تضاعف انتشاره
في الفضاء العام، وفي زمن أصبحت فيه الأخبار والمعلومات تنتقل خلال دقائق، لم يعد السؤال أمام الجهات الرسمية هو فقط ما إذا كان الخبر المتداول صحيحاً أو غير صحيح، وإنما أيضاً: هل يستحق هذا الخبر أصلاً أن يتحول إلى قضية أو أن يستدعي إجراءً رسمياً بحق من نشره أو أعاد تداوله؟
هذه المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة وحسن التقدير، خصوصاً عندما يكون الشخص المعني مهنياً يعمل في مجال له علاقة مباشرة بالخبر أو الموضوع الذي تناوله. ومن المهم هنا التأكيد، حتى لا يُفهم الكلام خارج سياقه أو يحاول البعض الاصطياد في المياه العكرة، أن الحديث عن ضبط ردود الفعل الرسمية لا يعني بأي شكل من الأشكال الدعوة إلى الانفلات في الفضاء العام أو إعفاء أي شخص من المسؤولية القانونية عن أفعاله. فالقانون يجب أن يكون حاضراً، والمساءلة يجب أن تتم عندما تكون هناك مخالفة حقيقية تستوجبها، لكن ذلك لا يعني أن كل خبر أو إعادة نشر أو تعليق يجب أن يقابل بإجراء شديد.
المشكلة الأساسية أن بعض الإجراءات الرسمية قد تحقق عكس الهدف الذي اتُخذت من أجله تماماً. فإذا كان المقصود من توقيف شخص أو التحقيق معه بسبب إعادة نشر خبر أو كتابة منشور هو الحد من انتشار ذلك الخبر، فإن النتيجة في كثير من الأحيان تكون عكسية؛ إذ إن الإجراء نفسه يتحول إلى خبر جديد، وقد يكون أكثر جذباً للانتباه من الخبر الأصلي.
قد يمر الخبر الأول على عدد محدود من المتابعين، وقد يراه البعض ثم يتجاوزه دون اهتمام كبير. لكن بمجرد أن يعلم الناس أن جهة رسمية اتخذت إجراءً بحق الشخص الذي نشره، تبدأ الأسئلة، ويبدأ البحث عن المنشور، وتبدأ إعادة نشره، وتتناوله الحسابات ووسائل الإعلام، ويتحول موضوع لم يكن يحظى باهتمام واسع إلى قضية يتابعها عدد أكبر بكثير من الأشخاص.
وهنا تكمن المفارقة. الجهة الرسمية التي ترصد الأخبار التي تنشر في وسائل الإعلام أرادت تقليل انتشار الخبر قد تكون، من حيث لا تقصد، قد ساهمت في مضاعفة انتشاره. فالإجراء الرسمي يمنح الخبر قيمة إضافية ويخلق حوله فضولاً أكبر، لأن الناس بطبيعتهم يهتمون بما تحاول جهة ما منعه أو الحد من تداوله. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يكون مجرد الإعلان عن توقيف شخص أو اتخاذ إجراء بحقه كافياً لإعادة إحياء الخبر من خلال البحث عنه وتداوله على نطاق أوسع مما كان عليه قبل الإجراء.
ولهذا فإن قوة الدولة لا ينبغي أن تُقاس دائماً بمدى سرعة تدخلها أو شدة ردها، بل بقدرتها على معرفة متى يكون التدخل ضرورياً ومتى يكون عدم التدخل أكثر فاعلية. فالجهة الرسمية تستطيع في كثير من الحالات أن تصحح معلومة، أو توضح حقيقة، أو تنفي خبراً، أو تقدم الرواية الرسمية للحدث عن طريق إذرعها الإعلامية الرسمية التي تنفق عليها ميزانيات ضخمة، من دون أن تحول الشخص الذي نشر المعلومة إلى محور للقضية.
فحين يتم الانتقال من مناقشة مضمون الخبر إلى اتخاذ إجراء ضد ناشره، يتغير مسار القصة بالكامل. لم يعد الجمهور يسأل فقط: هل الخبر صحيح؟ بل يبدأ بالسؤال: لماذا تم توقيفه؟ وماذا كان قد نشر؟ ولماذا اعتُبر الأمر مهماً إلى هذه الدرجة؟ وبذلك يصبح الإجراء نفسه موضوعاً جديداً يفتح الباب أمام مزيد من التغطية والنقاش والتداول.
وهناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله. وراء كل منشور إنسان، وخلف هذا الإنسان عائلة وعمل وسمعة وعلاقات اجتماعية ومهنية. وأي إجراء شديد بحقه قد لا تتوقف آثاره عند شخصه، بل قد تمتد إلى أسرته ومحيطه، وتخلق أبعاداً اجتماعية وإنسانية لم تكن موجودة في البداية. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال إعفاء المخالف من المسؤولية، وإنما يعني أن التناسب بين الفعل ورد الفعل يجب أن يكون حاضراً دائماً.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يكون الشخص يحمل جنسية دولة أخرى، إذ يمكن لقضية بدأت بخبر أو منشور أن تتحول بسبب الإجراء المتخذ إلى قضية إعلامية أو دبلوماسية أو سياسية، وقد تدخل فيها السفارات ووسائل الإعلام والجهات المهنية، فتتوسع دائرة القضية أكثر فأكثر. وفي هذه الحالة قد تجد الدولة نفسها أمام مشكلة أكبر بكثير من المشكلة التي أرادت معالجتها في البداية.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق مثل هذه الإجراءات ليس فقط: هل نملك الحق أو القدرة على اتخاذ إجراء؟ وإنما أيضاً: ماذا سيحقق هذا الإجراء فعلياً؟ وهل سيحد من انتشار الخبر، أم أنه سيمنحه انتشاراً أكبر ويضع عليه مزيداً من الضوء؟
ليس كل ما ينشر في الفضاء العام يستحق رداً رسمياً، وليس كل خبر يستحق أن يتحول إلى قضية. هناك معلومات خاطئة يمكن تصحيحها، وادعاءات يمكن تفنيدها، وأخبار يمكن الرد عليها بمعلومة أو بيان، وأحياناً يكون أفضل ما يمكن فعله هو عدم منح الموضوع أهمية إضافية.
إن التعامل الحكيم مع الفضاء العام لا يعني تركه بلا ضوابط، كما أن احترام القانون لا يعني استخدام أقصى درجات الحزم في كل مناسبة. بين الانفلات والتشدد مساحة واسعة يمكن فيها الجمع بين القانون والحكمة والتناسب.
وفي النهاية، قد يكون من المفيد للجهات الرسمية، قبل اتخاذ أي إجراء بحق ناشر خبر أو معلومة، أن تنظر إلى النتيجة المتوقعة لا إلى الفعل وحده. فالإجراء الذي يبدو في لحظته وسيلة للحد من انتشار خبر قد يتحول بعد ساعات إلى أكبر وسيلة لنشره.
فبعض الأخبار تموت عندما تُترك، وبعضها يكبر عندما نواجهه. وبعض المنشورات لا يصنع منها قضية إلا الإجراء الذي يُتخذ ضد صاحبها. ولهذا، فإن الحكمة ليست دائماً في أن نرد، بل في أن ندرك متى يكون الرد سبباً في انتشار ما كنا نريد له أن ينتهي.