لندن: محمد الطّورة
إقالة سماوي وتعيين الخضير… القضية أبعد من الأشخاص
أرجو بدايةً ألا يُفهم هذا الحديث على أنه انتقاد شخصي لأي من الطرفين، لا المغادر ولا القادم، فكلاهما من القامات الوطنية التي تمتلك خبرات كبيرة ومسيرة مهنية تستحق الاحترام والتقدير. فالقضية هنا لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالمبدأ والطريقة التي اعتمدتها الحكومة في إقالة أيمن سماوي وتعيين يزن الخضير، وما رافق ذلك من غياب للتوضيح والشفافية، الأمر الذي فتح الباب أمام كثير من التساؤلات والتأويلات.
في الدول التي تسعى إلى ترسيخ مفهوم المؤسسات، يُفترض أن تكون الكفاءة والخبرة والإنجاز هي المعايير الأساسية في التعيين والإعفاء، لا المزاجية ولا الضغوط ولا حسابات العلاقات الشخصية. لكن ما يحدث أحيانًا يثير كثيرًا من علامات الاستفهام، ويضع الرأي العام أمام مشهد يصعب تفسيره منطقيًا أو إداريًا.
ما جرى مؤخرًا في إدارة مهرجان جرش يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة. فالحكومة قامت، ودون سابق إنذار أو توضيح للرأي العام، بإعفاء مدير مهرجان جرش أيمن سماوي الذي نجح لسنوات في إدارة واحد من أهم الفعاليات الثقافية في الأردن، ثم تعيين يزن الخضير مكانه والذي لم يمضِ على إعفائه من منصبه في وزارة السياحة سوى أشهر قليلة، هو الآخر أُقيل سابقًا دون أسباب معلنة.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا حدث كل ذلك؟ وما المبرر الحقيقي لهذه القرارات المتناقضة؟ وهل أصبحت المؤسسات تُدار كردود فعل لضغط وسائل التواصل الاجتماعي واعتراضات بعض المتنفذين وأصحاب المصالح؟
إن إعادة شخص إلى واجهة المشهد بعد إقالته من منصب رسمي، فقط لأن هناك اعتراضات شعبية أو حملات إلكترونية أو ضغوطًا من أصحاب الواسطة، يبعث برسائل سلبية خطيرة. أولها أن القرار الإداري ليس ثابتًا على أسس مهنية، وثانيها أن الكفاءة والنجاح لا يكفيان للاستمرار في المنصب، بل قد تكون العلاقات والنفوذ أقوى من الإنجاز نفسه.
الأخطر من ذلك أن مثل هذه القرارات تُحبط أصحاب الكفاءات الحقيقيين. فما الرسالة التي تصل إلى أي مسؤول ناجح حين يرى أن سنوات العمل والإنجاز يمكن أن تُمحى بقرار مفاجئ لا تُعرف أسبابه، بينما يستطيع آخر العودة إلى المشهد بعد إقالته من منصبه دون معرفة الأسباب بدعم الواسطة أو الضغط الشعبي أو أسباب لا يعلمها إلا صاحب الشأن الذي تخذ قرار عودته للواجه على حساب شخص أنجز الكثير لمهرجان جرش منذ سنوات؟
إن الحكومات مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالشفافية. فمن حق الناس أن تعرف أسباب الإعفاء وأسباب التعيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات ثقافية ووطنية تمثل صورة البلد أمام العالم. فالصمت الرسمي يفتح المجال للتأويلات، ويعزز شعور المواطنين بأن الواسطة ما تزال تتحكم في مفاصل القرار.
لا أحد يعترض على حق الحكومة في التغيير أو إعادة ترتيب المؤسسات، لكن الاعتراض الحقيقي يكون حين تغيب المعايير الواضحة، ويصبح النجاح غير كافٍ للبقاء، بينما تتحول العلاقات والضغوط إلى الطريق الأقصر نحو المناصب.
في النهاية، الدول لا تُبنى بالمجاملات، ولا تنهض بإقصاء الكفاءات، بل بإعطاء كل صاحب إنجاز حقه، واحترام عقل المواطن عبر قرارات واضحة ومبررة وعادلة.

