لندن:محمد الطّورة
«لم يأتِ الأستاذ الدكتور عزمي محافظة بأعضاء مجالس أمناء الجامعات من كوكب آخر»
هذه العبارة تحديدًا استفزتني كثيرًا، ليس لأنها غير صحيحة، وإنما لأنها أصبحت، مع الأسف، من العبارات الجاهزة التي تُستدعى كلما تجرأ مواطن أو صحفي على طرح سؤال حول تعيينات أو اختيارات في منصب عام.
وكأن مجرد السؤال عن معايير الاختيار، أو عن ملاءمة شخص ما للموقع، أو عن آلية التعيين، يعني بالضرورة أن السائل يطعن في وطنية الأشخاص أو خبراتهم، أو أنه كان يطمح إلى الحصول على المقعد نفسه!
الحقيقة أن النقاش يجب ألا يبدأ من سؤال: من هم الأشخاص الذين تم اختيارهم؟ ثم ننطلق للدفاع عن سيرهم وتاريخهم، بل من سؤال أكثر أهمية: كيف تم اختيارهم؟ وما هي المعايير التي اعتمدت في ذلك؟
مع كامل الاحترام لما ورد في المقال الذي كتبه القامة الأكاديمية المبجلة الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة، فأنني أرى أن هناك نقطة مهمة تستحق التوضيح، حتى لا يُفهم اعتراض بعض المنتقدين على تشكيل مجالس أمناء الجامعات وكأنه اعتراض نابع من عدم اختيارهم أو من رغبة شخصية في الحصول على هذه المواقع.
ليس كل من انتقد التشكيلات كان يطمح إلى أن يكون عضوًا في أحد مجالس الأمناء، بل إن غالبية من أبدوا ملاحظات حول بعض الأسماء هم صحفيون وإعلاميون أو يعملون في مجال الصحافة، وطرحوا تساؤلاتهم من زاوية المصلحة العامة والمسؤولية المهنية، وليس من باب المنافسة على هذه المواقع.
كما أن جوهر بعض الاعتراضات لم يكن التشكيك في خبرات الأشخاص أو في سيرهم أو وطنيتهم، وإنما كان متعلقًا بموضوع العمر والقدرة العملية على أداء مهام العضوية بالصورة المطلوبة. فالتقدم في السن ليس انتقاصًا من قيمة الإنسان ولا من تاريخه ولا من إنجازاته، لكنه قد يكون عاملًا مشروعًا للنقاش عندما يتعلق الأمر بموقع يتطلب حضورًا ومتابعة وجهدًا وقدرة على مواكبة متطلبات المرحلة.
وهنا يبرز سؤال آخر مشروع، وأعتقد أنه كان من حق المنتقدين طرحه: هل تم الإعلان للرأي العام عن السير الذاتية الكاملة للأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار، بما يكفي للتعرف إلى خبراتهم ومساراتهم المهنية، وكذلك المعايير التي تم على أساسها الاختيار؟
وهل تم التعامل مع مسألة القدرة الصحية والبدنية على أداء مهام العضوية وفق أسس واضحة، خصوصًا أن المواطن العادي عندما يتقدم إلى وظيفة في مؤسسات الدولة يخضع عادةً لمتطلبات ومعايير تتعلق بالمؤهلات والقدرة على القيام بمهام الوظيفة؟
طرح مثل هذه الأسئلة لا يعني بأي حال من الأحوال الطعن في وطنية الأشخاص أو تاريخهم، ولا يعني أن من لم يُختر كان أحق بالمنصب. بل إن النقد الحقيقي يجب أن ينصب على معايير الاختيار وآلياته ومدى ملاءمة الأشخاص للمهام المطلوبة، بعيدًا عن الشخصنة والتجريح والمزايدات.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن التشكيلات لا ينبغي أن يتحول أيضًا إلى اتهام كل من ينتقدها بأنه شخص غاضب لأنه لم يحصل على موقع، أو أنه يزايد على وطنية الآخرين. فالاختلاف في الرأي حق، والنقد حق، وطرح الأسئلة حول الشفافية ومعايير الاختيار حق كذلك.
نحن بحاجة إلى أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال ليس: “لماذا لم يتم اختيار فلان؟”، ولا “لماذا يعترض فلان؟”، وإنما: ما هي المعايير التي تم اعتمادها؟ وهل تنطبق هذه المعايير بصورة واضحة وعادلة على الجميع؟
فاحترام الأشخاص وتقدير تاريخهم لا يتعارض مع حق المجتمع في مساءلة القرارات العامة، كما أن انتقاد قرار أو التساؤل حول ملاءمة بعض الاختيارات لا يعني الإساءة إلى أصحابها.