لندن: محمد الطّورة
مفارقة معايير الاختيار والشفافية في الوظيفة العامة
تابعت من لندن ردود الفعل التي رافقت قرارات الحكومة الأردنية الأخيرة بشأن تعيين رؤساء مجالس أمناء الجامعات الرسمية وأعضاء هذه المجالس، والتي تباينت بين مؤيد ومعارض. ومن خلال ما قرأت وسمعت، بدا لي أن جانبًا كبيرًا من النقاش لم يكن اعتراضًا على الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار بقدر ما كان تساؤلًا حول الآلية والمعايير التي اتُّبعت في اختيار الأسماء.
وأمام هذا التباين في الآراء، وجدت أن الأمانة تقتضي مني أن أُبيّن وجهة نظري فيما جرى، من خلال هذا المقال المنشور عبر موقع العموم نيوز، انطلاقًا من الحرص على مؤسساتنا التعليمية ومستقبل التعليم في الأردن وسمعته الدولية، وليس من موقف مسبق تجاه أي من الأسماء التي تم اختيارها.
ولعل ما سأطرحه هنا يصل إلى صاحب القرار، فيكون موضع نقاش ومراجعة، وربما يسهم في تطوير آليات اختيار القيادات الأكاديمية مستقبلًا، بما يعزز الثقة بقرارات الدولة، ويكرّس مبادئ الكفاءة والاستحقاق والشفافية.
فالقضية، في تقديري، لا تتعلق بمن تم اختياره بقدر ما تتعلق بصاحب الإختار وبكيفية الاختيار، والمعايير التي تحكمه، والضمانات التي تكفل أن يصل الأكفأ والأقدر على حمل مسؤولية تطوير قطاع بهذه الأهمية لمصلحة الوطن والمواطن.
من المفارقات التي تستحق التوقف والتساؤل أن يُطلب من المتقدم لشغل وظيفة حكومية محدودة الصلاحيات والمسؤوليات تقديم مؤهلاته العلمية وخبراته العملية، والخضوع للامتحانات والمقابلات وأسئلة التقييم، بينما لا تخضع بعض المواقع الأكاديمية والاستشارية، ذات التأثير الأوسع في التعليم ومستقبل الأجيال، بالضرورة للمستوى نفسه من التدقيق والشفافية في الاختيار.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت صرامة الاختيار ينبغي أن تتناسب مع حجم المسؤولية والتأثير، فلماذا لا تكون المواقع الأكثر تأثيرًا خاضعة لأعلى درجات التنافس والشفافية والمساءلة؟
والسؤال لا ينبغي أن يقتصر على الشهادات العلمية والمناصب التي شغلها المرشح، وإنما يجب أن يمتد إلى ماذا قدم فعليًا للحقل الأكاديمي؟ وما إسهاماته السابقة في تطوير التعليم والبحث العلمي؟ وما الأثر الذي تركه في هذا القطاع الحيوي في حياة الشعوب والدول؟
فالمؤهلات وحدها لا تكفي للحكم على أهلية من سيتولى موقعًا أكاديميًا أو استشاريًا مؤثرًا؛ إذ ينبغي النظر كذلك إلى السجل العلمي والمهني، والإنتاج المعرفي، والمبادرات والمشروعات، والإسهامات الملموسة في تطوير التعليم والمؤسسات الأكاديمية.
وبما أن التعيين قد أصبح واقعًا، فإن الشفافية لا ينبغي أن تتوقف عند إعلان القرار، بل من حق المجتمع، ولا سيما الأكاديمي والمهني، أن يعرف السيرة العلمية والمهنية لمن تم اختيارهم، وأبرز إسهاماتهم السابقة، والمعايير والأسس التي تم على ضوئها ترشيحهم وتفضيلهم على غيرهم.
وفي حال أظهرت السيرة الذاتية والبيانات المنشورة أن أحد المعينين لا يستوفي المعايير أو المؤهلات التي تبرر شغل المنصب، فمن المهم أن تكون هناك جهة أو هيئة مستقلة ومحايدة تتولى مراجعة مثل هذه التعيينات، للتحقق من سلامة الإجراءات ومدى انطباق معايير الاختيار، وصولًا إلى تأييد التعيين أو رفضه، وفق أسس مهنية وموضوعية واضحة.
فوجود مثل هذه الآلية لا يمثل انتقاصًا من صلاحيات جهة التعيين، وإنما يشكل ضمانة مؤسسية لتعزيز النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتصحيح أي خلل قد يظهر بعد صدور القرار. فالقرار الإداري الرشيد لا ينبغي أن يكون محصنًا من المراجعة، بل يجب أن يكون قابلًا للتحقق والتقييم والتصحيح متى ظهرت معطيات موضوعية تستدعي ذلك.
إن الاهتمام بالتعليم ليس ترفًا إداريًا، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الدولة والمجتمع. والتجارب الدولية الناجحة تؤكد أن بناء الإنسان وتطوير التعليم كانا من أهم مرتكزات النهضة والتنمية. وتجربة سنغافورة تقدم نموذجًا واضحًا لدولة جعلت التعليم وتنمية رأس المال البشري محورًا أساسيًا في مشروعها الوطني.
لذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس فقط: من تم اختياره؟ وإنما أيضًا:
ماذا قدم هذا الشخص للتعليم من قبل؟
ما الذي يؤهله لتطوير هذا القطاع؟
ما المعايير التي تم على أساسها اختياره؟
ولماذا تم اختياره دون غيره؟
فإذا كانت الدولة تطالب المواطن المتقدم لوظيفة محدودة المسؤولية بأن يثبت كفاءته بكل الوسائل الممكنة، فمن باب أولى أن تكون معايير اختيار من يتولون مواقع أكاديمية واستشارية ذات تأثير واسع أكثر صرامة ووضوحًا وشفافية.
فالمؤسسة القوية لا تكتفي بالقول إنها اختارت الأكفأ، وإنما تستطيع أن توضح كيف اختارت الأكفأ، ولماذا كان أكثر استحقاقًا من غيره.
وإذا كان التعليم هو أحد أهم أسس بناء المستقبل، فإن اختيار من يتولون مسؤولية تطويره يجب ألا يكون مجرد قرار إداري، بل عملية مؤسسية تقوم على الكفاءة والاستحقاق والشفافية، وتخضع للمراجعة والمساءلة والتصحيح عند الحاجة.