لا مشكلة في أن يفرح الناس، ولا في أن يهنئ الأصدقاء والأقارب من تولّى موقعاً جديداً. فالتهنئة عادة اجتماعية جميلة، والفرح بالمناسبات جزء من طبيعة المجتمع الأردني الذي اعتاد أن يفتح أبوابه للضيف والمهنئ، وأن يجعل من المناسبات العامة والخاصة فرصة للقاء والتواصل.
لكن عندما يتعلق الأمر بمنصب عام، وبموقع سياسي متقدم كنائب رئيس الوزراء، فإن المسألة تأخذ معنى آخر.
هنا لا يعود السؤال عن الوليمة، ولا عن عدد المدعوين، ولا عن نوع الطعام الذي قُدّم، ولا حتى عن الجهة التي أقامت الاحتفال.
السؤال الحقيقي الذي يهم الناس هو: ماذا بعد؟
فالمنصب العام ليس جائزة شخصية، ولا محطة للوجاهة الاجتماعية، ولا مناسبة دائمة لتبادل التهاني والصور. المنصب، قبل كل شيء، مسؤولية عامة، وكلما ارتفع الموقع ارتفع معه حجم المسؤولية، واتسعت دائرة التوقعات، وأصبح المسؤول مطالباً بأن يثبت أن اختياره لهذا الموقع لم يكن مجرد تغيير في الأسماء والمواقع.
والناس اليوم، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، لم تعد تنظر إلى المناصب بالطريقة التي كانت تنظر إليها سابقاً.
المواطن لا تعنيه كثيراً الألقاب، ولا يعنيه كم مرة ظهر المسؤول في صورة، ولا كم وليمة أقيمت احتفاءً به.
ما يعنيه أن يجد خدمة أفضل، وإدارة أسرع، وقراراً أكثر عدالة، ومشروعاً يتحرك، وفرصة عمل، ومعالجة لملف ظل سنوات ينتظر على مكاتب المسؤولين.
التعديل الحكومي الأخير حمل، وفق الخطاب الرسمي، أهدافاً تتعلق بتعزيز العمل والمتابعة في ملفات اقتصادية وخدمية وتسريع الإنجاز.
وهذا تحديداً ما يجعل السؤال مشروعاً: هل تبدأ مرحلة المسؤول الجديد من الولائم والتهاني، أم من الملفات الثقيلة التي تنتظره على مكتبه؟
فالناس لا تريد أن تسمع كثيراً عن حجم الاحتفاء بالمنصب، بقدر ما تريد أن تسمع عن حجم العمل الذي سيُنجز.
هناك ملفات اقتصادية لا تحتمل التأجيل، ومؤسسات تحتاج إلى تطوير، وبيروقراطية ما زالت تستهلك وقت المواطن، ومشاريع ينتظر الأردنيون أن يروا نتائجها على الأرض، لا أن تبقى مجرد عناوين في الخطط والبيانات.
وهناك أيضاً سؤال أكبر يتعلق بثقافة المناصب نفسها.
لماذا نحتفي بالمنصب أكثر مما نحتفي بالإنجاز؟
لماذا يصبح وصول مسؤول إلى موقع جديد مناسبة اجتماعية واسعة، بينما قد يمر إنجاز حقيقي قام به مسؤول أو مؤسسة من دون أن يلتفت إليه أحد؟
ربما لأن ثقافتنا السياسية والاجتماعية ما زالت تمنح الموقع أهمية أكبر من صاحب الموقع، واللقب مساحة أكبر من الفعل، والاحتفال مساحة أكبر من الحساب.
لكن المسؤول الذي يعرف قيمة الموقع العام يدرك أن أصعب لحظة ليست لحظة صدور قرار التعيين، ولا لحظة استقبال المهنئين، وإنما اللحظة التي يجلس فيها وحيداً أمام الملفات.
هناك لا تنفع الولائم، ولا المجاملات، ولا عبارات الإطراء.
هناك الأرقام، والنتائج، والقرارات، وشكاوى الناس، وما تحقق وما لم يتحقق.
ولهذا فإن أجمل تهنئة يمكن أن يتلقاها أي مسؤول ليست وليمة تقام على شرفه، وإنما مشروع ينجز، وملف يُعالج، وقرار يرفع الظلم، ومؤسسة تستعيد كفاءتها، ومواطن يشعر بأن الدولة تتحرك من أجله.
فالمنصب يبدأ بقرار، وربما يُستقبل بالتهاني، لكنه ينتهي دائماً إلى سؤال واحد:
ماذا فعلت؟
وهذا السؤال ليس تجنياً على المسؤول، بل هو جوهر الوظيفة العامة.
أما الولائم، فستنتهي بانتهاء المناسبة، وستعود الكراسي إلى أماكنها، وتُرفع الموائد، وينصرف المدعوون كل إلى حياته.
لكن المكتب سيبقى مفتوحاً، والملفات ستبقى فوق الطاولة، والناس ستنتظر.
ولهذا نقول للمسؤول الجديد: مبروك المنصب، وكل التوفيق في المسؤولية.
أما الاحتفاء الحقيقي، فليكن بعد أشهر من الآن، عندما يستطيع المواطن أن يرى شيئاً تغير.
عندها فقط تصبح الوليمة مستحقة.. لأن الإنجاز هو الوليمة الأكبر التي ينتظرها الناس.