لندن: محمد الطّورة
التَّنسيب بالموافقة على تعيين مجالس أمناء لعشر جامعات رسميَّة أردنية
* ، لماذا لم يكن بين الأسماء أحد من الكفاءات العلمية التي تزخر بها مدينة الشوبك في تشكيل مجالس أمناء الجامعات الرسمية الذي تم التنسيب بالموافقة عليه اليوم
*ألم يكن بين أبناء الشوبك من يستحق أن يكون ضمن مجلس أمناء جامعة الحسين بن طلال ،التي تحمل أسم الحسين طيب الله ثراه ، وتحتضنها هذه الأرض التي قدم أبنائها الكثير للوطن
*إن كان الجواب أن الاختيار تم وفق معايير الكفاءة والخبرة، فنحن أول من يرحب بهذه المعايير، ونأمل فقط أن تكون قد طُبقت على الجميع بالقدر نفسه.
*وإن كان بين أبناء الشوبك من تنطبق عليه هذه المعايير، فإن تجاهله يحتاج إلى تفسير من أصحاب القرار.
* حين يتعلق الأمر بالمناصب التي تحتاج إلى كفاءة، لا ينبغي أن تكون المسافة عن مركز القرار سببًا في تغييب الكفاءات، ولا ينبغي أن يكون أبناء المناطق البعيدة آخر من يُتذكّرون عندما يحين وقت الاختيار.
*الشوبك لم تكن يومًا على هامش الوطن، فلا تجعلوا أبناءها على هامش الاستحقاق.
قد يرى البعض في حديثي هذا نوعًا من المناطقية، لأنني أتناول قضية تخص أبناء مدينتي الشوبك، وقد يكون لهم في ذلك بعض العذر، فأنا عشت في هذه المدينة وتعلمت فيها، وعرفت أهلها عن قرب، وكنت شاهد عيان على ما بذلته أسرها من تضحيات ومعاناة في سبيل تعليم أبنائها، والوصول بهم إلى درجات علمية متقدمة وخبرات تؤهلهم لتحمل المسؤولية وخدمة الوطن. لكن ما يدفعني إلى الكتابة اليوم ليس الانحياز إلى المكان على حساب الوطن، وإنما الإيمان بأن إنصاف الكفاءة هو إنصاف للوطن، وأن من حق أبناء الشوبك، كما أبناء سائر مناطق المملكة، أن تُرى كفاءاتهم وأن تُتاح لهم الفرصة العادلة للمساهمة في خدمة الأردن.
وأقولها بكل ثقة واحترام: إنني، حيال ما أراه من تغييبٍ لبعض هذه الكفاءات، سأبقى متمسكًا بقناعتي بأن الإنصاف متى تعذرت سبل الوصول إليه عبر القنوات المعنية، فإن أبواب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي نثق بحرصه على العدالة والإنصاف وعلى منح أبناء الوطن فرصهم وفق الكفاءة والاستحقاق، هي الملاذ الذي أرجو أن أصل إليه. ولذلك سأبذل كل الوسائل والطرق المشروعة للوصول إلى جلالته، ووضع هذا الأمر بين يديه الكريمتين، ثقةً بحكمته وعدله وحرصه على أبناء هذا الوطن.
لقد عشتُ في هذه المدينة وتعلّمت فيها، وكنت شاهد عيان على حجم المعاناة التي عاشتها أسر كثيرة من أجل تعليم أبنائها، وعلى سنوات طويلة من التعب والاغتراب والكفاح التي بذلوها حتى يصلوا إلى درجات علمية عليا، ويكتسبوا من الخبرات والمعرفة ما يؤهلهم، كما يؤهل غيرهم، لتحمل المسؤولية وخدمة الوطن.
ما أكتبه اليوم ليس دفاعًا عن مناطقية، ولا مطالبةً بحصةٍ للشوبك، وإنما هو مطالبة بأن تكون الكفاءة هي المعيار، وأن تُمنح الفرصة لكل من يستحقها، وأن لا تُغَيَّب كفاءات أبناء الشوبك عندما يحين وقت الاختيار.
ليس من باب المبالغة في العتب، ولا من باب البحث عن حصة جغرافية، ولا من باب المطالبة بمقعد لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى الشوبك، لا بل من أجل طرح سؤال مشروع: أين أبناء الشوبك من مواقع المسؤولية التي يفترض أن يكون معيار الوصول إليها الكفاءة والخبرة والاستحقاق؟
هذا السؤال فرض نفسه بعد صدور التنسيب بالموافقة على تعيين رؤساء وأعضاء مجالس أمناء عشر جامعات رسمية، وهي مواقع يفترض أن يكون معيار اختيار شاغليها الكفاءة والخبرة والقدرة على الإسهام في تطوير التعليم العالي وخدمة الوطن. وهنا لا بد من القول بوضوح إن الشوبك ليست مدينة فقيرة بالكفاءات حتى يُبرر غياب أبنائها عن مثل هذه المواقع، بل إن تاريخ هذه المدينة وأبناءها يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
فعندما كان الوطن ينادي، كان أبناء الشوبك في مقدمة الصفوف. خدموا في صفوف القوات المسلحة الأردنية، ومنهم من تشرف بالخدمة إلى جانب جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، ومنهم من واصل مسيرة العطاء في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، ومنهم من خدم إلى جانب أصحاب السمو الأمراء والأميرات. ومن أبناء هذه المنطقة قادة عسكريون، وأساتذة وأكاديميون، ورجال علم ودين، وأصحاب شهادات عليا وخبرات متراكمة في مجالات متعددة.
ولم يصل هؤلاء إلى ما وصلوا إليه صدفة. فخلف كل شهادة عليا قصة تعب، وخلف كل نجاح أسرة تحملت وضحت، وخلف كل اسم علمي أو أكاديمي سنوات طويلة من الدراسة والعمل والمثابرة. ولذلك فإن الحديث هنا ليس عن البحث عن واسطة لأبناء الشوبك، ولا عن منحهم امتيازًا لا يستحقه غيرهم، وإنما عن أن تُرى هذه الكفاءات عندما تكون هناك حاجة إليها، وأن تكون أمام صاحب القرار عندما تفتح أبواب المسؤولية.
فالاستحقاق لا ينبغي أن يكون حكرًا على أسماء بعينها، ولا ينبغي أن تبقى بعض المناطق حاضرة في واجبات الوطن وغائبة في مواقع المشاركة وصناعة القرار. ومن هنا يبدأ العتب.
والعتب هذه المرة ليس على من وقع عليهم الاختيار، فنحن لا نعرف جميع حيثيات اختيارهم، ولا نقول إنهم لا يستحقون مواقعهم فهم قامات وطنية ، ولا نطالب بإقصاء أحد لصالح أبناء الشوبك. وإنما نسأل عن آلية الاختيار نفسها: هل تم البحث عن كفاءات الشوبك؟ وهل كانت أسماؤهم مطروحة على طاولة الاختيار؟ وهل جرى النظر إلى سيرهم العلمية والعملية كما جرى النظر إلى غيرهم؟
وإذا كانت الإجابة نعم، ولم يجد أصحاب القرار فيهم من تنطبق عليه شروط الاستحقاق، فمن حقنا أن نعرف ما هي المعايير التي جعلتهم خارج دائرة الاختيار. أما إذا لم تكن هذه الكفاءات قد طُرحت أصلًا، فهنا تكون المشكلة أكبر، لأن تغييب الكفاءة قبل أن تدخل دائرة المنافسة لا يمكن أن يسمى منافسة.
وهنا يأتي العتب الأول على صاحب القرار والجهة المسؤولة عن عملية التنسيب والاختيار؛ فالمسؤولية لا تبدأ عند لحظة توقيع القرار النهائي، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال البحث عن الكفاءات الوطنية، والاستماع إليها، ووضع أسمائها وخبراتها أمام صاحب القرار، ثم المفاضلة بينها وفق أسس واضحة وعادلة.
لكن العتب الأكبر، وربما الأكثر مرارة، يذهب إلى أبناء المنطقة أنفسهم ممن لهم حضور في مواقع القرار أو ممن يشاركون في تعبئة الشواغر والتنسيب لها. فأنتم أكثر الناس معرفة بأبناء الشوبك. تعرفون من حمل السلاح دفاعًا عن الوطن، وتعرفون من خدم في المؤسسة العسكرية، وتعرفون من أفنى عمره في التعليم، وتعرفون من عاد من الجامعات بشهادات عليا، وتعرفون من يملك الخبرة والكفاءة والقدرة على خدمة وطنه.
وتعرفون قبل غيركم كم عانت الأسر في هذه المنطقة حتى أوصلت أبناءها إلى ما وصلوا إليه. تعرفون كم من أب وأم تحملا مشقة الحياة، وكم من أسرة دفعت من قوتها وراحتها، وكم من طالب غادر بلدته في سن مبكرة متنقلًا بين الجامعات والمدن حتى حصل على أعلى الدرجات العلمية، ثم عاد يحمل علمه وخبرته، آملًا أن يجد فرصة يخدم من خلالها وطنه وأهله.
فإذا لم يكن هؤلاء حاضرِين في ذهن أبناء منطقتهم عندما تفتح أبواب المسؤولية، فمتى يكونون؟
وهنا لا بد من التفريق بين أمرين؛ فنحن لا نريد محاصصة مناطقية، ولا نقول إن مجرد كون الشخص من الشوبك يؤهله تلقائيًا لمنصب، ولا نطالب بأن تكون لكل منطقة حصة ثابتة من المواقع. لكننا في المقابل نرفض أن يتحول رفض المحاصصة إلى ذريعة لتغييب المناطق التي تزخر بالكفاءات.
المطلوب ليس حصة للشوبك، وإنما فرصة عادلة لأبناء الشوبك. والمطلوب ليس أن يُعيَّن شخص لأنه من الشوبك، بل أن لا يُستبعد شخص صاحب كفائه. هذه هي المسألة بكل بساطة.
ولعل أكثر ما يجعل هذا العتب مشروعًا أن الأمر يتعلق بجامعة الحسين بن طلال؛ الجامعة التي تحمل اسم الراحل الكبير الحسين بن طلال، وتحمل رسالة علمية وتنموية تتجاوز حدود المنطقة.
أليس من الطبيعي أن يكون بين أعضاء مجلس أمنائها أحد أبناء المنطقة من أصحاب الكفاءة العلمية والخبرة، إذا كان مستوفيًا للمعايير؟ ألا يوجد بين أبناء الشوبك أستاذ جامعي أو أكاديمي أو خبير أو صاحب شهادة عليا يستطيع أن يقدم لهذه الجامعة والوطن؟ وإن كان موجودًا، فلماذا غُيِّب؟
إن كان الاختيار قد تم فعلًا وفق معايير الكفاءة والخبرة، فنحن أول من يرحب بهذه المعايير، ونأمل فقط أن تكون قد طُبقت على الجميع بالقدر نفسه. أما إذا كان هناك من أبناء الشوبك من يمتلك المؤهلات والخبرة وكان قادرًا على شغل موقع في مجلس أمناء إحدى الجامعات، ثم لم يُطرح اسمه أو لم يجد من يضعه أمام صاحب القرار، فإن العتب هنا يصبح أكبر من مجرد عتب، ويصبح سؤالًا عن دور أبناء المنطقة في حماية كفاءاتها والدفاع عن حقها في أن تُرى وتُسمع.
فليس مقبولًا أن نتذكر أبناءنا عندما نحتاج إلى أصواتهم، وأن نتحدث عن تضحياتهم عندما نحتاج إلى استحضار تاريخ المنطقة، ثم ننسى أبناءهم عندما تفتح أبواب المسؤولية.
الوطن لا يريد منا أن نطالب بالمناصب لأبنائنا، لكنه يريد منا أن نحافظ على حقهم في أن تُرى كفاءتهم، وأن تكون الفرصة أمامهم كما هي أمام غيرهم.
الشوبك لا تطلب معروفًا من أحد. أبناؤها لم يكونوا يومًا بحاجة إلى شهادة على وطنيتهم. قدموا للوطن عندما كان الواجب نداءً، وخدموا عندما كانت الخدمة شرفًا ومسؤولية، ودرسوا وتعلموا وتخصصوا لا بحثًا عن لقب أو منصب، وإنما ليكونوا قادرين على العطاء.
وإذا كانت الشوبك قد أعطت للوطن من أبنائها الكثير، فإن أقل ما تستحقه هو أن تُعامل كغيرها من مناطق الوطن، وأن تُتاح لكفاءاتها الفرصة العادلة للمشاركة في خدمة مؤسسات الدولة.
إنه سؤال نطرحه بوضوح واحترام، وبحرص لا بتجريح، وبغيرة على الشوبك لا على حساب الوطن.
فالكفاءة حين تُغيَّب لا يخسر صاحبها وحده، بل يخسر الوطن فرصة الاستفادة منها.