لندن: محمد الطّورة
حين نتحدث عن بعض الشخصيات الأردنية، لا تكفي المناصب التي شغلتها لتعريفها، ولا تختصر سيرتها السنوات التي أمضتها في مواقع المسؤولية؛ لأن حضورها يتجاوز الوظيفة إلى ما تركته من أثر في السياسة والثقافة والإعلام والحياة العامة. ومن هذه القامات الأردنية التي تستحق التوقف عند تجربتها معالي نصوح المجالي «أبو ذاكر»، الذي جمع في شخصيته بين ثقافة المثقف، ووعي السياسي، وخبرة الإعلامي، وحسّ رجل الدولة. وفي مسيرته الممتدة، تنقّل بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون والعمل الدبلوماسي والوزارة، فكان شاهدًا على مراحل مهمة من تاريخ الأردن، وفاعلًا في صناعة جانب من مشهده الإعلامي والثقافي. وهذه محاولة للوقوف على بعض محطات حياته، واستحضار بعض مواقفه وإنجازاته، كما رآها من عاصروه وعملوا معه
يُعدّ معالي نصوح المجالي «أبو ذاكر» واحدًا من أبرز رجال الإعلام والعمل العام في الأردن خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولم تكن تجربته محصورة في منصب وزير الإعلام، بل امتدت إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء والعمل الدبلوماسي والإعلام العربي.
وُلد المجالي عام 1944، ودرس الأدب الإنجليزي في الجامعة اللبنانية، ثم بدأ حياته العملية في التعليم والعمل العام، قبل أن ينتقل إلى المجال الإعلامي، حيث تولى عام 1973 إدارة وكالة الأنباء الأردنية «بترا».
وفي عام 1976 تولى إدارة الإذاعة الأردنية، وبقي فيها قرابة تسع سنوات. وكانت تلك الفترة من أبرز مراحل تجربته؛ إذ عُرف بمتابعته الدقيقة للعمل الإذاعي، وحرصه على الانضباط والمهنية، وفي الوقت نفسه اهتمامه بتطوير العاملين وإعطاء الكفاءات الشابة فرصًا للتقدم.
وتروي شهادات عدد من الإعلاميين الذين عملوا معه أنه كان مديرًا شديدًا في العمل، لكنه كان عادلًا في تعامله مع الموظفين، ويتحمل مسؤولية قراراته ويدافع عن العاملين عندما يرى أنهم لم يتعمدوا الخطأ. كما اهتم بتدريب الكفاءات، ومن الأمثلة على ذلك إيفاد عدد من العاملين في دورات تدريبية خارج الأردن.
وفي عام 1985 تولى المجالي مسؤولية مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بعد توحيد الإذاعة والتلفزيون، ليكون أول مدير عام للمؤسسة الجديدة. وكانت هذه مرحلة مهمة في تاريخ الإعلام الأردني، إذ أصبحت المؤسسة تجمع العمل الإذاعي والتلفزيوني في إطار إداري واحد.
ولم يقتصر أثره على الإعلام الأردني؛ فقد ترأس اتحاد الإذاعات والتلفزة العربية بين عامي 1986 و1990، وأسهم في إنشاء وتطوير مراكز عربية للتدريب والتبادل الإخباري، مؤكدًا اهتمامه ببناء الكفاءات الإعلامية العربية إلى جانب إدارة المؤسسات.
كما عمل مستشارًا إعلاميًا في الديوان الملكي، ثم سفيرًا للأردن في عدد من الدول، قبل أن يتولى عام 1989 منصب وزير الثقافة والإعلام.
ومن الجوانب اللافتة في شخصيته اهتمامه بالصحافة وحرية الكاتب ومسؤولية الصحفي. وقد تحدث عدد من الصحفيين الذين عملوا معه عن دعمه للكتاب وتشجيعه لهم على الاستمرار في الكتابة، وهو ما يعكس إيمانه بأن الإعلام لا يقوم على المؤسسات وحدها، وإنما على الإنسان والكلمة والكفاءة.
وتكشف بعض الشهادات عنه أيضًا اهتمامه بحفظ الذاكرة الإعلامية والوطنية؛ فقد طرح خلال عمله الوزاري فكرة إنشاء أرشيف وطني يحفظ وثائق الدولة وموادها الإعلامية، وهي فكرة تدل على إدراك مبكر لقيمة الأرشيف باعتباره جزءًا من ذاكرة الوطن.
ولعل أبرز ما يميز تجربة نصوح المجالي أنه جمع بين ثقافة المثقف، وانضباط الإداري، وخبرة الإعلامي، ونظرة رجل الدولة. ولذلك يصعب اختصار سيرته في لقب «وزير سابق»، فهو كان حاضرًا في مراحل متعددة من تطور الإعلام الأردني والعربي.
ويبقى «أبو ذاكر» في ذاكرة من عاصروه رجلًا شديد الحرص على العمل، واضحًا في مواقفه، قريبًا من أهل المهنة، وصاحب تجربة تركت أثرًا في عدد من المؤسسات والكفاءات الإعلامية.
ومن هنا فإن قيمة نصوح المجالي لا تكمن فقط في المناصب التي شغلها، وإنما في المؤسسات التي أسهم في تطويرها، والإعلاميين الذين عملوا معه، والرؤية المهنية التي تركها خلفه.