فراس المجالي
يشبه الفضاء الرقمي الأردني اليوم مرآةً مقعرةً عملاقة؛ تجمع الآراء المتناثرة في نقطة حرق واحدة، وتحول الهموم اليومية الصغيرة إلى لهب جماعي يلتهم التفاصيل الدقيقة للسياسات العامة.
وضمن هذا المشهد، تمارس الخوارزميات قانونها الصارم في هندسة الانتباه، فتمنح الأسبقية للغضب والإثارة على حساب الصواب، وتغذي وهم الحلول السحرية، لتتحول الأطر المؤسسية الرصينة إلى حجر عثرة في نظر الشارع.
لقد تسيّد الخطاب الهامشي مناخ الرأي العام، واختُزلت الأزمات الهيكلية في نظريات المؤامرة، واستُخدم السلاح الرقمي في معارك هوياتية مفرغة حتى تحوّل الفرد من مواطن يمارس حقه إلى مستهلك غاضب يطلب رضاً لحظياً.
وفي المحصلة، تحولت المنصات الرقمية من ساحات لتبادل المعرفة إلى خنادق للاستقطاب؛ يُستنفر فيها الجمهور ضد الدولة، متجاوزة الوسائط التقليدية التي حمت البلاد في أعتى العواصف.
أما البيروقراطية الرسمية فقد وجدت نفسها في مواجهة جمهور لا يطيق صبراً، ويطالب باستجابات فورية توازي سرعة الشائعة…
وتزداد المعضلة حين تتمسك المؤسسات بخطاب جاف، بينما يلتقط المؤثرون نبض الشارع بعبارات خاطفة، فلا تنجح التقارير الحكومية في تفنيد وتفكيك الرواية الزائفة إلا بعد أن تكون قد استقرت كحقيقة صلبة في العقل الجمعي.
غير أن الحل لا يكمن في التشريعات المتشددة ومحاصرة الرأي وحرية التعبير ، ولا في تخوين التكنولوجيا؛ فالخوارزمية لا تعادي المؤسسات، بل في محاول فهم قانون التفاعل، فمن يسعى لمحاربة أمواج الرأي يبدو كمن يحارب الريح بدلاً من بناء الطواحين و تحقيق الفائدة منها .
و لو قُدّر للخوارزميات أن تتكلم لقالت لأصحاب القرار:
“أنتم تغذّون الشعبوية ببطء لغتكم وفراغكم المعرفي؛ فاستعيدوا المساحة بلغة نعرفها، وسنعيد نحن توزيع الوصول لحقيقتكم”.
ولخوض هذه المواجهة الرقمية الشاملة، تتجه الحاجة نحو تحويل الإعلام الرسمي إلى غرفة رصد عصبية تجمع بين تحليلات البيانات وسحر السرد السريع، وكسر عقدة المسؤول الصامت بفتح البيانات للمحلل المستقل لتفكيك التكتيكات المستخدمة في صناعة المحتوى السلبي، وتوجيه الوعي نحو مواطنة رقمية تمنح الجمهور مناعة من الاستفزاز العاطفي.
وفي المسار الخارجي، يعلم الأردن أنه لا يملك وحده فرض إرادته على عمالقة التكنولوجيا، لكنه يستطيع العمل عبر أطر تنظيمية قائمة كجامعة الدول العربية أو بالتنسيق مع هيئات دولية معنية بحوكمة المنصات، لمراجعة خوارزميات السلامة ضد خطاب الكراهية وبث الفتن، على نسق تجربة الاتحاد الأوروبي.
ويحتاج مثل هذا التواصل إلى خطاب واقعي يخلو من الفوقية والإجبار، ويتحدث بلغة تفاوض جماعي قد تمنح ٤٠٠ مليون مستخدم عربي وزناً تفاوضياً حقيقياً لأول مرة، وربما تتكرر المحاولة من خلال قاعدة أوسع كمنظمة التعاون الإسلامي.
غير أن حوكمة الخوارزميات، على أهميتها، تظل علاجاً للأعراض لا للمرض، إذ يتوقف الرهان الحقيقي والحل الجذري على بناء الحصانة الداخلية عبر بوابة الإصلاح البرلماني والعمل الحزبي المؤسسي.
فالترياق الحقيقي للشعبوية يُصنَع بالإصلاح الحقيقي من صندوق الانتخاب إلى قبة البرلمان؛ واستبدال الشحن العاطفي بالمعرفة المؤسسية من خلال رفد النائب بمراكز أبحاث تشريعية ومصادر معلومات سريعة تمنحه الدليل والبديل، وتطوير العمل الكتلي والحزبي ليوفر له مظلة حماية سياسية تُمكّنه من الصمود أمام الشعبويات الرقمية وشاشاتها الصغيرة.
إن إدراك الدولة لهذه المعادلة وتعاملها مع المواطن الرقمي كشريك لا كخصم، مع معالجة الفجوات التنموية والمظالم بشفافية، سيفتح أمامها فرصة تاريخية لتجديد عقدها الاجتماعي؛ فحصانة الماضي وحدها لن تكفي لكسب رهانات الحاضر المتجدد.