لندن: محمد الطّورة
حين يُكافأ المسيء… ويُساء إلى المخلص
ليس أصعب على الإنسان من أن يُطالب بإثبات ما أفنى عمره في ترسيخه. وليس أكثر وجعًا من أن يقف مواطن، قضى سنوات عمره يحمل شرف الخدمة العسكرية والمدنية، مدافعًا عن وطنه، مؤمنًا بقيادته، حارسًا لأمانة المسؤولية في مواقع حساسة داخل الوطن وخارجه، ثم يجد نفسه، بعد أن طوى صفحة الخدمة، مطالبًا بإثبات وطنيته، وكأن تاريخ الرجال يُمحى بقرار، أو تُلغيه نزوة موظف، أو اجتهاد مسؤول غابت عنه الحقيقة.
وأقولها بمرارة العاتب لا بمرارة الساخط: إن بعض الجهات الرسمية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تراجع الطريقة التي يُعامل بها المخلصون. فالدولة القوية لا تُرهق أبناءها الشرفاء بإثبات ولائهم في كل محطة، ولا تسمح أن تتحول الاجتهادات الفردية إلى محاكم تفتيش تُوزع صكوك الوطنية، وكأن حب الوطن امتياز يُمنح، لا قيمة تُبنى عليها الدول.
وأشد ما يؤلم ليس ما يصدر عن الأشخاص، فالأشخاص يذهبون، أما الدولة فتبقى. لكن المؤلم أن يجد بعض أصحاب الاجتهادات الفردية مساحة تجعلهم يتصرفون وكأنهم أوصياء على الوطنية، يرفعون من يشاؤون، ويخفضون من يشاؤون، ويقيسون انتماء الناس بمزاج اللحظة، لا بتاريخ العمر.
وهنا أتوقف أمام مفارقة يصعب فهمها. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المخلص أن يقدم بين الحين والآخر شهادة جديدة بحسن سلوكه الوطني، نجد من جلسوا على أعلى المقاعد، واستفادوا من ثقة الدولة وخيراتها، ثم خرجوا عبر الشاشات ومنصات التواصل يجلدون الوطن، ويهاجمون مؤسساته، ويشككون بإنجازاته، ومع ذلك لا تزال الأبواب تُفتح لهم، والكلمات تُسمع منهم، والطلبات تُجاب لهم.
إنني لا أطرح هذا الكلام للمقارنة بين الأشخاص، ولا للمطالبة بمعاملة استثنائية، وإنما من باب الدعوة إلى أن يكون المعيار واحدًا للجميع؛ معيار يقوم على السيرة الصادقة، والإخلاص في خدمة الوطن، واحترام مؤسساته، لا على الانطباعات الشخصية أو الاجتهادات الفردية. فالوطن الذي نؤمن بعدالته يستحق أن يُعامل أبناؤه جميعًا بميزان واحد، وأن يُصان تاريخ المخلصين فيه من أي تشكيك أو انتقاص.
لقد تعلمنا من المدرسة الهاشمية أن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن المسؤول يرحل وتبقى الدولة، وأن العدالة ليست منحة، بل هي أساس الملك.
ولهذا فإن رسالتي ليست دفاعًا عن نفسي، وإنما دفاع عن الدولة من كل ممارسة قد تُضعف صورتها في عيون أكثر أبنائها إخلاصًا.
سيبقى الأردن بالنسبة لي وطنًا لا يتغير، وستبقى قيادته محل الولاء والاحترام، ولن تثنيني الصعوبات أو الاجتهادات الفردية الخاطئة عن هذا النهج الذي عشت عليه وخدمت وطني من أجله. وما أرجوه هو أن تُنصف الكفاءات، وأن تُقيّم المواقف بميزان العدالة والموضوعية، بعيدًا عن الشخصنة والانطباعات، حفاظًا على هيبة المؤسسات، وصونًا لكرامة المواطن الذي لم يدخر جهدًا في خدمة وطنه.
على العموم… وفي «العموم» سأبقى كما كنت دائمًا؛ ابنًا للأردن قبل كل شيء، مؤمنًا بدولته، معتزًا بمؤسساته، واثقًا بأن هيبة الدولة لا تكتمل إلا بعدالتها، وأن الأوطان تُبنى بالمؤسسية لا بالشخصنة، وتبقى بأبنائها المخلصين لا بخلافات العابرين.
فالمخلص لا يطلب امتيازًا…
ولا ينتظر وسامًا…
ولا يبحث عن مكافأة…
لكنه يتوقع، على الأقل، ألا يدفع ثمن إخلاصه.
وألا يتحول نجاحه في خدمة وطنه إلى عبء يحمله بقية عمره.
لأن الدول العظيمة لا تخسر حين يهاجمها خصومها…
إنما تخسر يوم يشعر المخلصون أن إخلاصهم لم يعد يكفي ليحظوا بالإنصاف.

