ثمة شعراء يولدون من المدن، من ضجيج المقاهي وازدحام الشوارع، وثمة شعراء تأتيهم القصيدة من مكان أبعد؛ من الصمت، ومن الرمل، ومن ليل الصحراء حين تكون السماء كتاباً مفتوحاً للنجوم.
أمجد ناصر كان واحداً من هؤلاء.
جاء من المفرق، من تخوم الصحراء الأردنية، حاملاً في داخله ذلك البدوي الذي لم يغادره مهما ابتعدت به المدن والمنافي. وقبل أن يصبح أمجد ناصر، كان هناك يحيى النميري النعيمات؛ فتى أردني ينظر إلى العالم من نافذة بعيدة، قبل أن يمنح نفسه اسماً أدبياً آخر، ويفتح للقصيدة طريقاً جديداً.
لم يكن انتقال يحيى إلى أمجد مجرد تبديل لاسم على غلاف كتاب، بل كان أشبه بعملية ولادة ثانية.
يحيى هو ابن البيت والذاكرة الأولى والمفرق والبادية، أما أمجد فهو الشاعر الذي قرر أن يحمل تلك الذاكرة إلى العالم، وأن يجعل من الصحراء نقطة انطلاق لا نقطة نهاية.
لكن المفارقة أن يحيى لم يختفِ تماماً.
ظل يلاحق أمجد في كل مكان؛ في اللغة، وفي الصور الشعرية، وفي الحنين، وفي ذلك الشعور العميق بالغربة الذي يصيب ابن المكان حين يغادره طويلاً. ظل يحيى البدوي مختبئاً خلف أمجد الشاعر، يطل من بين الكلمات، ويستعيد رائحة المكان الأول كلما ابتعدت المسافة.
ولهذا يصعب قراءة تجربة أمجد ناصر بمعزل عن المفرق.
فالمفرق لم تكن مجرد مدينة في سيرته، بل كانت المشهد الأول الذي تشكلت فيه عين الشاعر. الصحراء من حوله، والمسافات الطويلة، والسماء المفتوحة، والبيوت التي تعرف معنى الصمت، كلها أسهمت في تكوين حساسية شعرية سترافقه لاحقاً في بيروت وقبرص ولندن.
وحتى حين غادر المكان، لم يغادره المكان.
كان أمجد ناصر شاعراً يحمل الصحراء في حقيبته، ويأخذها معه إلى البحر، وإلى المدن، وإلى المنافي.
ومن هنا يمكن فهم ذلك التوتر الجميل في تجربته: الصحراء والماء، البادية والمدينة، الرحيل والعودة، يحيى وأمجد.
لقد خرج الشاعر من مكان يبدو، للوهلة الأولى، بعيداً عن المركز الثقافي العربي، لكنه سرعان ما أصبح واحداً من الأصوات المهمة في الحداثة الشعرية العربية، خصوصاً في قصيدة النثر. ولم تتوقف تجربته عند الشعر، بل امتدت إلى الرواية وأدب الرحلات والصحافة الثقافية، ليصنع لنفسه موقعاً خاصاً في المشهد الأدبي العربي.
لم يكن أمجد ناصر يريد أن يكون شاعراً يكتب عن الصحراء من بعيد، بل كان يريد أن يذهب بالصحراء نفسها إلى القصيدة الحديثة.
كانت الصحراء بالنسبة إليه أكثر من جغرافيا؛ كانت طريقة في النظر إلى الأشياء.
فالبدوي الذي يراقب الأفق طويلاً قبل أن يتحرك، يشبه الشاعر الذي يراقب الكلمة قبل أن يضعها في مكانها. والرحيل الذي هو جزء من حياة الصحراء، تحول في تجربة أمجد إلى قدر أدبي.
من المفرق إلى عمّان، ومن عمّان إلى بيروت، ومن بيروت إلى قبرص ولندن، ظل الرحيل أحد مفاتيح سيرته وكتابته.
وفي بيروت، حيث كانت تجربته قد قطعت شوطاً مهماً، التقيته ذات يوم من عام 2002.
كان ذلك اللقاء في مرحلة كانت بيروت فيها محطة عابرة بالنسبة لي، فقد كنت في بغداد في مهمة صحفية، وقبل مغادرتي العراق مررت ببيروت، وكان بيني وبين أمجد موعد اتفقنا عليه هناك..إحتسينا القهوة وأشعلنا سجائرنا قال لي وقتها هذا صنف جيد ثم تأملنا وجه بيروت .
لم يكن اللقاء بالنسبة لي مجرد لقاء عابر مع شاعر أعرفه وأتابع تجربته، بل كان لقاءً مع ذلك الإنسان الذي تختبئ خلف اسمه الأدبي حكاية أخرى؛ حكاية يحيى القادم من المفرق، والذي حمل معه صحراءه الأولى إلى كل الأمكنة التي ذهب إليها.
أتذكر أمجد في ذلك اللقاء بوصفه شاعراً لا يحتاج إلى كثير من الضجيج حوله. كان حضوره هادئاً، لكن تجربته كانت تقول الكثير.
ولعل أجمل ما في تلك اللحظة، بعد سنوات، أنني حين أستعيدها اليوم أراها من زاوية مختلفة.
كنت يومها أغادر بغداد بعد مهمة صحفية، وأمجد كان يعيش بيروت ويحمل في داخله مدناً كثيرة. ولم نكن نعرف أن السنوات ستمضي بهذه السرعة، وأن لقاءً عابراً في بيروت سيصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرة شخصية مرتبطة بشاعر ترك أثراً عميقاً في الشعر العربي.
من المفرق إلى عمّان، ومن عمّان إلى بيروت، ومن بيروت إلى قبرص ولندن، ظل أمجد ناصر يحمل معه ذلك المكان الأول، وكأن المسافة مهما اتسعت لا تستطيع أن تمحو البدايات.
لكن كل هذه المدن لم تستطع أن تلغي المدينة الأولى.
المفرق بقيت هناك.
في مكان ما داخل أمجد.
وفي 30 تشرين الأول/أكتوبر 2019، رحل أمجد ناصر في لندن بعد مسيرة أدبية وشعرية حافلة امتدت لعقود.
لكن قصة الرحيل لم تنتهِ في لندن.
ففي مفارقة تحمل الكثير من المعنى، عاد الشاعر الذي أمضى سنوات طويلة في السفر والاغتراب إلى المكان الأول؛ إلى المفرق، حيث ووري الثرى في اليوم التالي لوفاته.
كأن الطريق الطويل، بكل مدنه ومطاراته ومنافيه، كان لا بد أن ينتهي هناك.
في المفرق.
في المكان الذي بدأ منه يحيى النميري النعيمات رحلته الأولى، قبل أن يتحول إلى أمجد ناصر.
وهنا تصبح الحكاية أكثر من سيرة شاعر.
فالشاعر الذي غادر الصحراء باحثاً عن العالم، عاد إليها في النهاية. غادرها شاباً يحمل الأسئلة، وعاد إليها اسماً كبيراً في الشعر العربي.
عاد أمجد إلى يحيى.
وعاد يحيى إلى المفرق.
وكأن المكان الأول ظل طوال تلك السنوات ينتظر صاحبه، مهما طال السفر.
في هذه العودة الأخيرة تختصر سيرة أمجد ناصر كلها: رحيل طويل، وذاكرة لا تموت، ومكان أول لا يغادر صاحبه مهما ابتعد.
لقد تغير الاسم، وتبدلت الأمكنة، وتعددت التجارب، واتسعت اللغة.
لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً:
ذلك الفتى القادم من المفرق.
ذلك الذي نظر ذات يوم إلى السماء، وأخذ يعدّ النجوم.
ثم كبر.
وصار اسمه أمجد ناصر.
أما يحيى، فلم يمت.
ظل هناك، في الصحراء الأولى، ينتظر الشاعر كلما تعب من السفر.
وعندما انتهى السفر، عاد إليه.