لندن: محمد الطّورة .
يقف سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، اليوم في موقع تتجاوز دلالاته شخصه، فهو يقف في امتداد تاريخ هاشمي حملت فيه ولاية العهد معنى الاستمرار، وتوارثت فيه الأجيال مسؤولية الدولة وأمانة المستقبل. وبين ولي عهدٍ وآخر، بقيت الولاية أكثر من لقب؛ كانت جسرًا يصل حاضر الأردن بغده، ويمنح الدولة يقينًا بأن مسيرتها لا تنقطع بتعاقب الرجال، وإنما تستمر بهم.
ولعل ما يجعلني أتوقف عند هذا المعنى أنني عشته شخصيًا قبل أربعة عقود… عندما رزقني الله بمولودي الأول قبل أربعة عقود،أتذكر كيف انهالت عليّ تهاني الإخوة والأصدقاء والأقارب، وكانت العبارة التي تتردد على مسامعي: «مبروك ولي العهد». يومها، وربما للمرة الأولى، توقفت طويلًا أمام هذه العبارة. لم أكن أسمعها باعتبارها مجرد تعبير من عبارات التهنئة التي تقال عند ولادة المولود، وإنما بدأت أدرك شيئًا من ثقلها ومعناها. فالطفل الذي جاء إلى الدنيا لا يحمل اسمه وحده، بل يحمل، في نظر من حوله، مسؤولية المستقبل الذي ينتظره.
ومنذ ذلك اليوم بقيت عبارة «ولي العهد» بالنسبة لي أكبر من لقب، وأعمق من تسمية، وأبعد من منصب. إنها مسؤولية تبدأ قبل أن يدرك صاحبها معنى المسؤولية، وتكبر معه عامًا بعد عام، حتى يصبح مطالبًا بأن يكون أهلًا لثقة وطن بأكمله.
ولعل هذه الذكرى الشخصية هي التي تجعلني اليوم أتوقف أمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وأتأمل معنى أن يولد الإنسان في بيت يحمل تاريخ الدولة، وأن يكبر وهو يعرف أن مستقبله الشخصي ليس شأنًا شخصيًا خالصًا، وأن حياته ستبقى مرتبطة بمسيرة وطن وشعب وقيادة. فالولادة في هذه الحالة ليست بداية حياة فرد فحسب؛ إنها بداية طريق طويل من الإعداد والتكوين وتحمل الأمانة.
ولكي نفهم معنى ولاية العهد في الأردن، ربما علينا أن نعود ستة عقود إلى الوراء، إلى ذلك اليوم الذي وُلد فيه الأمير عبدالله بن الحسين، في 30 كانون الثاني 1962. لم يكن الملك الحسين، رحمه الله، يومها يتحدث عن مولود جديد بوصفه ابنًا له فقط. ففي خطابه إلى الأردنيين تحدث عن مولوده بلغة تختصر فلسفة كاملة في الحكم والمسؤولية، فقال إنه «نذر عبدالله لأسرته الكبيرة، ووهب حياته لأمته المجيدة».
تأملوا هذه الكلمات. لم ينظر الحسين إلى ابنه باعتباره وريثًا للعرش فحسب، بل باعتباره صاحب أمانة. أراد له أن يكبر بين أبناء شعبه، وأن يعرف كيف يكون خادمًا لهذه الأسرة الكبيرة وجنديًا أمينًا في جيش العروبة والإسلام. وكأن الحسين، وهو يعلن للأردنيين فرحته بمولود، كان في الوقت نفسه يضع أمامه وأمامهم تعريفًا مبكرًا لمعنى المسؤولية التي قد تنتظره.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية ولاية العهد في التجربة الأردنية؛ فهي لم تكن مجرد لقب ينتقل آليًا من شخص إلى آخر، وإنما أمانة ظلت تتحرك داخل البيت الهاشمي بكل سلاسة، وفق الدستور وإرادة الملك ومقتضيات كل مرحلة. فقد تولى الأمير محمد بن طلال ولاية العهد لفترة معينة، ثم جاء الأمير الحسن بن طلال وأستلم ولاية العهد ، كما عرفت الولاية الأمير عبدالله بن الحسين في مراحل مختلفة، ثم عادت إلى الأمير الحسن، قبل أن تعود إلى الأمير عبدالله عام 1999، فيتولى العرش بعد أيام. وفي عهد الملك عبدالله الثاني تولى الأمير حمزة بن الحسين ولاية العهد، ثم آلت إلى الأمير الحسين بن عبدالله الثاني عام 2009، النجل الأكبر لجلالة الملك حسب ما نص عليه الدستور.
وقد يبدو هذا التسلسل، إذا نظرنا إليه مجردًا، تعاقبًا للأسماء، لكنه في حقيقته أكثر من ذلك بكثير. محمد، الحسن، عبدالله، الحسن، عبدالله، حمزة، الحسين… أسماء تعاقبت، وأزمنة تغيرت، وظروف اختلفت، لكن الخيط لم ينقطع. تحركت ولاية العهد من أمير إلى أمير، ومن أخ إلى أخ، ومن عم إلى ابن أخ، ثم إلى الابن، وبقيت الدولة هي الثابت الأكبر في هذه المسيرة.
وهنا تكمن، في تقديري، خصوصية تجربة الحكم الهاشمية في الأردن؛ فالدستور وضع الأصل في انتقال ولاية العهد إلى أكبر أبناء الملك ثم إلى أكبر أبناء ذلك الابن، وأتاح في الوقت نفسه للملك اختيار أحد إخوته الذكور وليًا للعهد. وهكذا لم تكن ولاية العهد قالبًا جامدًا، كما لم تكن شأنًا عائليًا منفصلًا عن الدولة، وإنما مؤسسة دستورية تتحرك ضمن إطارها، بما يراعي ظروف المرحلة ويحافظ على استمرارية الحكم والدولة.
فالعرش، إذا نظرنا إليه من زاوية المسؤولية، ليس كرسيًا ينتقل من شخص إلى آخر، وإنما أمانة دولة تستمر من جيل إلى جيل. ولهذا فإن ولي العهد لا ينتظر المستقبل، بل يستعد له. يستعد بالعلم والتجربة، بالاحتكاك بالناس، ومعرفة مؤسسات الدولة، وفهم تحديات الوطن والمنطقة، والقدرة على الإصغاء والعمل وتحمل المسؤولية. فالملك لا يبدأ دوره يوم يصبح ملكًا، وولي العهد لا يبدأ استعداده يوم يصبح وليًا للعهد؛ الاستعداد يبدأ قبل ذلك كله.
واليوم يقف ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في الحلقة الجديدة من هذه السلسلة. هو ابن الملك عبدالله الثاني وحفيد الملك الحسين، ويحمل إرثًا ثقيلًا من التاريخ، لكنه في الوقت نفسه ابن جيله، بكل ما يحمله هذا الجيل من أسئلة وتحديات وطموحات. ولذلك فإن مسؤوليته ليست أن يكون نسخة ممن سبقوه، وإنما أن يحمل جوهر الأمانة التي حملوها، وأن يضيف إليها ما يحتاجه الأردن في زمنه.
أن يكون ولي العهد ابن عصره دون أن يفقد صلته بتاريخ وطنه، وأن يعي لغة الشباب والتكنولوجيا والاقتصاد الحديث دون أن ينسى لغة الدولة ومؤسساتها، وأن ينفتح على العالم دون أن يفقد بوصلته الوطنية، وأن يعرف الأردن لا كما يبدو في الكتب والتقارير الجاهزة فقط، وإنما كما هو في عيون الناس؛ في القرية والمدينة، في البادية والمخيم، وفي معسكرات القوات المسلحة، وفي بيوت الأردنيين التي تصنع كل يوم قصة هذا الوطن.
ولهذا فإن قيمة ولي العهد لا تقاس فقط بما يقوله، وإنما بما يتعلمه من الناس، وبما يكتسبه من تجربة، وبما يراكمه من قدرة على حمل الملفات التي سيحملها الوطن غدًا. فولاية العهد، في معناها الأعمق، ليست انتظارًا للعرش، وإنما إعدادًا لتحمل أمانة الوطن.
وحين أتذكر اليوم تلك التهنئة التي سمعتها قبل أربعة عقود: «مبروك ولي العهد»، أفهمها بطريقة مختلفة. يومها كانت فرحة بمولود، أما اليوم فأراها كلمة تختصر معنى أعمق؛ أن الطفل الذي يولد قد يصبح يومًا مسؤولًا عن أناس لم يعرفهم بعد، وعن وطن لم يختره ولكنه سيحمل أمانته.
وهذه هي المفارقة الجميلة في ولاية العهد في بيوت الحكم. فالناس يهنئون والديه بولادته، لكنهم في الحقيقة يهنئون وطنًا بامتداد مستقبله. وفي الأردن، حين نتأمل مسيرة ولاية العهد من أمير إلى أمير، ومن جيل إلى جيل، ندرك أن الأمانة هي الشيء الذي لا يتغير، حتى وإن تغيرت الأسماء والظروف.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه لولي العهد ليس أن يصل إلى العرش؛ فهذا أمر له سياقه الدستوري والتاريخي، وإنما أن يكون، عندما يأتي يوم المسؤولية، قد أعد نفسه لها كما ينبغي، وفهم وطنه كما ينبغي، وأحب شعبه كما ينبغي.
فولي العهد لا يصنعه اللقب وحده، وإنما يصنعه الزمن والتجربة والعمل والقدرة على فهم الناس، وقبل ذلك كله الإيمان بأن الأردن ليس إرثًا يُمتلك، وإنما أمانة تُصان.
وهكذا أفهم اليوم، بعد أربعة عقود من سماعي لأول مرة عبارة «مبروك ولي العهد»، أن تلك العبارة لم تكن تهنئة بمولود فقط. كانت، في جوهرها، تذكيرًا بأن بعض الأبناء يولدون ومعهم مسؤولية أكبر من أعمارهم، وأن أجمل ما يمكن أن نتمناه لولي العهد هو أن يكبر معه الوطن، وأن تكبر معه قدرته على حمل أمانته.
واليوم، ونحن نرى ونشاهد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني قريبًا من جلالة الملك، يرافقه في جولاته ولقاءاته داخل الوطن وخارجه، ويعايش عن قرب شؤون الدولة وتحدياتها، فإنه لا يحمل لقب ولي العهد فحسب، بل يتعلم يومًا بعد يوم من تجربة جلالة الملك وخبرته. ومن خلال ما نراه من سموه من حضور ومسؤولية وقرب من أبناء شعبه، يزداد اطمئناننا بأنه أهل لهذه الأمانة، وجدير بثقة وطنه، ومؤهل لحمل راية المستقبل بإذن الله.
حفظ الله الأردن وقيادته، وأعان ولي عهده على أمانة الوطن