العموم نيوز.. حين لا تكون المسافة ابتعادًا عن الوطن،
أحيانًا لا يتغيّر الحلم، وإنما يتغيّر الطريق إليه. وحين حالت بعض الظروف دون أن تبدأ حكاية «العموم نيوز» من حيث أردنا، لم تتوقف الفكرة، ولم تتراجع الغاية؛ فالوطن كان، وسيبقى، نافذةً مفتوحة أمام كل من أراد أن يخدمه بإخلاص، مهما باعدت بينه وبينه المسافات.
لم يكن إطلاق «العموم نيوز» من لندن مجرد اختيار لمكان خارج الجغرافيا الأردنية، بقدر ما كان تعبيرًا عن حقيقة يعرفها الأردنيون في بلاد الاغتراب؛ أن الابتعاد بالجسد لا يعني بالضرورة ابتعادًا عن الوطن، وأن المسافة حين يتعلق الأمر بالانتماء لا تُقاس بالكيلومترات.
فمن نشأ في الأردن، وتشرّب محبته منذ الطفولة، لا يصبح أقل أردنيةً لمجرد أن ظروف الحياة أخذته إلى مكان آخر. وقد يكون العكس هو الصحيح أحيانًا؛ إذ تكتسب صورة الوطن في الغربة وضوحًا لا توفره الإقامة بالقرب منه، ويصبح السؤال عن أخباره، ومتابعة شؤونه، والحرص على صورته، جزءًا من علاقة يومية لا تنقطع بالمسافة.
ومن هذه الفكرة يمكن فهم «العموم نيوز»؛ فهو ليس موقعًا أردنيًا لأن أخباره تتناول الأردن فحسب، وإنما لأنه ينطلق من انتماء يرى في الخبر وسيلةً للحفاظ على الصلة بالوطن، وفي الإعلام مسؤولية تتجاوز نقل الحدث إلى الإسهام في تقديم صورة متوازنة عنه إلى قارئ يعيش داخل الأردن أو خارجه.
ولعل خصوصية التجربة أن الموقع يصدر من لندن، المدينة التي تتقاطع فيها السياسة والدبلوماسية والإعلام ومراكز صناعة القرار، فيما تبقى عمّان مرجعيته الأولى. هنا تحديدًا تصبح المسافة ميزةً لا عائقًا؛ فوجود المنبر الأردني في الخارج يتيح له أن يرى الوطن من زاوية أخرى، وأن يرصد في الوقت نفسه كيف يُقدَّم الأردن في واحدة من أهم العواصم الدولية.
وفي هذا السياق، تأتي متابعة نشاط السفارة الأردنية في لندن الني تشرفت بالعمل فيها لإكثر من ثلاث عقود بوصفها جزءًا من المشهد الذي يستحق أن يُرى ويُقرأ. فالحضور الدبلوماسي الأردني لا يتوقف عند المناسبات الرسمية، وإنما يمتد إلى ملفات تمس جوهر الموقف الأردني، من القدس والمقدسات والقضية الفلسطينية، إلى العلاقات الأردنية البريطانية والاقتصاد والاستثمار، وهي ملفات تحمل في تفاصيلها امتدادًا للدور الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني في الدفاع عن مصالح الأردن ومواقفه وحضوره.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الجهد الذي يبذله السفير منار الدباس؛ فالدبلوماسية، في أحد وجوهها، هي أن يكون للوطن صوتٌ مسموع في العواصم التي تُصنع فيها المواقف، وأن تتحول العلاقات واللقاءات والحضور إلى أدوات لخدمة الدولة ومصالحها. ومثلما تحتاج الدولة إلى دبلوماسيتها في الخارج، فإنها تحتاج أيضًا إلى إعلام منتمي يراقب هذا الحضور ويوثقه ويضعه أمام الأردنيين.
ذلك هو الدور الذي نحاول أن نقترب منه في «العموم نيوز»: أن نكون قريبين من الأردن وإن كنا بعيدين عنه جغرافيًا، وأن نمارس الإعلام من موقع الانتماء لا من موقع الخصومة، وأن ندرك أن محبة الوطن لا تعني أن نتوقف عن رؤية أخطائه، كما أن النقد المسؤول لا يعني أن نضع الوطن موضع الاتهام.
فالصحافة التي تحمل قضية وطنها لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها دائمًا؛ يكفي أن تعرف لماذا تكتب، ولمن تكتب، وما الذي تريد أن يبقى من كلماتها بعد انتهاء الخبر.
وقد تكون هذه هي المفارقة الأجمل في تجربة «العموم نيوز»: أن يصدر من لندن، لكنه لا يشعر بأنه بعيد عن الأردن؛ لأن الوطن الذي نحمله في الذاكرة واللغة والوجدان لا يحتاج إلى عنوان إقامة، ولا تعترف به حدود.
هذه رسالتي ورسالة “العموم نيوز” للبعض نحن خرجنا من الأردن بأجسادنا، لكننا لم نخرج من إنتمائنا الصادق إليه ولا من ولائنا لقيادته الهاشمية.
ولهذا سيبقى «العموم نيوز» صوتًا أردنيًا من خارج الحدود؛ لا ليعوّض الوطن، فهذا مستحيل، وإنما ليؤكد أن الأردني يستطيع أن يحمل وطنه معه أينما ذهب، وأن المسافة قد تفصل بين مكانين، لكنها لا تستطيع أن تفصل الإنسان عن وطنه.