لندن: محمد الطّورة
في المشهد الذي جمع ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، والأمير غازي بن محمد، والأمير هاشم بن الحسين، بعدد من علماء الأمة ومفكريها في قصر الحسينية، بمناسبة المؤتمر التاسع عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، ما يستحق التوقف عنده ليس تفاصيل التكريم، وإنما المعنى الذي يقف خلف المشهد.
فالأردن، بحكم هويته الهاشمية، لا يتعامل مع آل البيت باعتبارهم صفحة من التاريخ، وإنما باعتبارهم إرثًا دينيًا وأخلاقيًا وفكريًا يمكن أن تكون له دلالة في حاضر الأمة ومستقبلها.
فالأسرة الهاشمية في الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني إبن الحسين تنتسب إلى آل بيت النبي محمد ﷺ. لكن قيمة هذا النسب لا تكمن في النسب وحده؛ فالتاريخ لا يمنح الأنساب قيمتها لمجرد انتمائها، وإنما بما تحمله من مسؤولية وما تتركه من أثر.
ومن هنا تبدو خصوصية التجربة الأردنية.
فمنذ تأسيس مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي عام 1980، تطورت المؤسسة لتكون مساحة يلتقي فيها العلماء والمفكرون من مختلف المذاهب والمدارس الإسلامية، ولتجعل من الحوار والوسطية والاعتدال والتعارف بين المسلمين جزءًا من رسالتها. وينص قانونها على إبراز مكانة آل البيت في الإسلام ودورهم في الدعوة إلى الوسطية والاعتدال والتسامح، إلى جانب استشراف قضايا العصر وتحديات المستقبل.
وهنا يبرز دور الأمير غازي بن محمد بصورة خاصة.
فالأمير غازي ليس حاضرًا في هذا المسار بوصفه رئيسًا لمجلس أمناء المؤسسة فحسب، بل يشغل كذلك موقع كبير مستشاري جلالة الملك للشؤون الدينية والثقافية والمبعوث الشخصي لجلالته. كما أن علاقته بمؤسسة آل البيت تعود إلى عام 2000، عندما انتُخب رئيسًا للمجمع الذي أصبح لاحقًا مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي.
وهذا الاستمرار لأكثر من ربع قرن يقول شيئًا مهمًا: إن الاهتمام الهاشمي بالفكر الإسلامي ليس نشاطًا عابرًا ولا مرتبطًا بمناسبة، بل هو مسار مؤسسي وفكري ممتد.
ولعل أهمية الدور الذي يقوم به الأمير غازي تكمن في أنه يمثل حلقة الوصل بين الإرث الهاشمي وبين العمل الفكري المؤسسي؛ أي الانتقال من الحديث عن آل البيت إلى إنتاج معرفة وحوار ومشروعات تخاطب قضايا المسلمين في عصرهم.
أما حضور الأمير هاشم بن الحسين في المشهد، إلى جانب ولي العهد والأمير غازي، فيضيف بعدًا آخر إلى الصورة؛ إذ يظهر الحضور الهاشمي هنا في أكثر من جيل، وفي فضاء يجمع الأسرة الهاشمية بعلماء الأمة ومفكريها.
وهي صورة تستحق القراءة بعيدًا عن البروتوكول.
جيل يحمل إرثًا تاريخيًا، وجيل يتولى مسؤولية الحاضر، وجيل يتطلع إلى المستقبل؛ وكل ذلك تحت عنوان آل البيت.
وهذه هي النقطة الأهم في رأيي.
فاستحضار آل البيت اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حديث عن النسب، ولا إلى استدعاء للماضي في المناسبات. القيمة الحقيقية لهذا الإرث هي في القدرة على تحويله إلى رسالة تجمع ولا تفرق، وتحاور ولا تقصي، وتستوعب الاختلاف بدل أن تجعل منه سببًا للصراع.
وهذا تحديدًا ما يجعل مؤتمر مؤسسة آل البيت الحالي لافتًا؛ فهو لا ينظر فقط إلى ما مضى، بل يناقش «أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة 2026–2050»، بمشاركة أكثر من 70 عالمًا يمثلون مؤسسات واتجاهات فكرية إسلامية من نحو 30 دولة.
أي أن السؤال لم يعد: ماذا ورثنا؟
بل أصبح: ماذا سنفعل بهذا الإرث؟
وهنا تكمن مسؤولية الهاشميين.
فالنسب الشريف يمنح صاحبه مكانة، لكنه لا يكفي لصناعة المستقبل. الذي يبقي الإرث حيًا هو القدرة على تحويله إلى عمل، وإلى موقف، وإلى مشروع يخدم الناس والأمة.
وفي زمن تتزايد فيه الانقسامات المذهبية والفكرية، وتواجه فيه المجتمعات الإسلامية تحديات التطرف والتعصب وتراجع الثقة بالخطاب الديني، تصبح الحاجة إلى نموذج يقوم على الحوار والاعتدال والتعايش أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ومن هذه الزاوية، فإن مؤسسة آل البيت في عمان تؤدي دورًا يتجاوز حدود الأردن؛ فهي توفر مساحة لالتقاء علماء من مدارس ومذاهب مختلفة، وتطرح قضايا تتصل بصورة الإسلام ومستقبله، وتحاول أن تجعل من الاختلاف بابًا للتعارف بدل أن يكون طريقًا إلى الخصومة. وهذا يتوافق أصلًا مع الأهداف المعلنة للمؤسسة، التي تؤكد تعميق الحوار والتعاون بين أهل المذاهب الإسلامية وإبراز دعوة آل البيت إلى الوسطية والاعتدال والتسامح.
ولذلك فإن المشهد الذي جمع الأمير الحسين والأمير غازي والأمير هاشم بالعلماء المشاركين في مؤتمر آل البيت لا ينبغي أن يُقرأ كصورة بروتوكولية وحسب.
إنه، في جوهره، صورة عن علاقة بين إرث ومسؤولية.
إرث يعود إلى آل بيت النبي ﷺ، ومسؤولية تقع على من يحمل هذا الإرث في أن يجعله حاضرًا في قضايا الناس وأسئلة المستقبل.
فالهاشمية ليست مجرد نسب يُذكر، ولا لقبًا يُورث، ولا ذاكرة تاريخية تُستعاد في المناسبات.
الهاشمية، في معناها الأعمق، مسؤولية.
ومتى استطاع هذا الإرث أن يتحول إلى علم وحوار واعتدال وجمع للكلمة، فإنه لا يبقى أسير الماضي، بل يصبح جزءًا من صناعة المستقبل.
وربما هنا تحديدًا تكمن الرسالة الأهم التي يمكن أن نقرأها في مشهد قصر الحسينية:
أن أفضل طريقة لصون إرث آل البيت ليست الاكتفاء بالحديث عن النسب، وإنما تحويل هذا النسب إلى رسالة؛ رسالة تجمع الأمة، وتحترم اختلافها، وتفتح أمامها طريقًا أكثر اتزانًا نحو المستقبل.
فالنسب قد يروي لنا من أين جئنا، لكن العمل وحده هو الذي يجيب عن السؤال الأهم:
إلى أين نريد أن نذهب؟