في كلّ دورة انتخابية داخل رابطة الكتّاب الأردنيين، لا تبدو المعركة مجرّد سباق على مقاعد الهيئة الإدارية، بل تتحوّل إلى اختبار حقيقي لحالة الوسط الثقافي الأردني بكلّ ما يحمله من تباينات فكرية، وحساسيات شخصية، وتحالفات تُعلن أحيانًا… وتُدار بصمت أحيانًا أخرى.
الانتخابات الحالية تبدو الأكثر سخونة منذ سنوات، ليس فقط بسبب وجود قائمتين تتنافسان بقوة، إلى جانب مرشح مستقل يحاول شقّ طريقه خارج الاستقطاب التقليدي، بل لأنّ المشهد الثقافي نفسه يعيش حالة انقسام واضحة بين خطاب يدعو إلى المشاركة باعتبارها “إنقاذًا للمؤسسة”، وآخر يرفع شعار المقاطعة احتجاجًا على ما يعتبره “تراجعًا لدور الرابطة وتهميشًا لصوت المثقف”.
التنافس بين قائمتي “التيار الديمقراطي” و”توافق” لم يكن بعيدًا عن تأثير تيار القدس الذي خرج من المنافسة طواعية، غير أنّ المزاج الثقافي داخل الهيئة العامة ما زال حتى اللحظة في حالة رصدٍ ومراقبة، دون حسم كامل لاتجاهات التصويت. وفي المقابل، يذهب بعض الكتّاب إلى خيار المقاطعة بعيدًا عن أيّ تحالفات أو اصطفافات، بوصفها موقفًا فرديًا يستند إلى قناعات شخصية تجاه واقع الرابطة وأدائها خلال السنوات الماضية، وهي قناعات تبقى مفهومة ومقدّرة داخل الوسط الثقافي الأردني، حتى لدى المختلفين معها.
وتكشف المعطيات المتداولة داخل الوسط الثقافي، والتي عزّزتها تقارير إعلامية وتصريحات متبادلة خلال الأيام الأخيرة، أنّ حالة الاستقطاب داخل الرابطة تجاوزت مجرد التنافس الانتخابي التقليدي، لتصل إلى خلافات عميقة حول شكل التحالفات وطبيعة المرحلة المقبلة. فبحسب ما يتم تداوله، فإنّ محاولات تشكيل تحالف واسع بين “التيار الديمقراطي” و”القدس” لم تصل إلى تفاهمات نهائية، رغم الاجتماعات المتكررة التي عُقدت خلال الفترة الماضية، وهو ما دفع كلّ طرف إلى إعادة ترتيب أوراقه بصورة منفردة. كما برزت اتهامات متبادلة تتعلّق بالسعي إلى الاستقواء بأسماء وشخصيات من خارج الرابطة، في معركة اختلطت فيها الحسابات الثقافية بالشخصية، والشعارات بالمخاوف من خسارة النفوذ داخل المؤسسة.
لكنّ المفارقة التي يتداولها كثير من الكتّاب في الكواليس، أنّ بعض من يرفعون راية المقاطعة علنًا، لا يغادرون المشهد فعليًا، بل يتحركون في الخفاء، ينسّقون، ويؤثرون، ويديرون تفاصيل صغيرة وكبيرة دون إعلان مباشر. وكأنّنا أمام نسخة ثقافية من “المحقق الأردني” الذي يظهر في اللحظة الأخيرة، بعدما يكون قد تابع كلّ التفاصيل بصمت.
حرب البيانات بين القوائم والتيارات تجاوزت حدود البرامج الانتخابية التقليدية، لتتحوّل إلى سجال مفتوح حول “شرعية التمثيل”، و”حقّ التغيير”، و”هوية الرابطة”، وحتى حول من يملك صفة “المدافع الحقيقي عن الثقافة الأردنية”.
كما أنّ الاتهامات بالتواطؤ، التي يطلقها جمعٌ من أعضاء الهيئة العامة بحقّ الإدارة الحالية التي ستنتهي ولايتها مع إعلان نتائج الجمعة المقبلة، لم تعد حبيسة الجلسات المغلقة أو أحاديث الممرات الثقافية، بل خرجت إلى العلن عبر منصات التواصل الاجتماعي والرسائل النصية المتبادلة بين الكتّاب والأعضاء. ووصلت حدّ تبادل روايات متناقضة حول طريقة إدارة المرحلة الماضية، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة مع بعض القوائم والتيارات، في مشهد يكشف حجم الاحتقان الذي يسبق صناديق الاقتراع، ويؤكد أنّ انتخابات الرابطة لم تعد مجرّد استحقاق إداري، بل معركة ثقة وهوية ومستقبل مؤسسة ثقافية عريقة.
وبين هذا وذاك، يقف كثير من الكتّاب الشباب بحالة ارتباك، وهم يراقبون مشهدًا يبدو أقرب إلى السياسة منه إلى الثقافة، فيما يحاول كلّ طرف تقديم نفسه بوصفه الحارس الحقيقي للرابطة ورسالتها التاريخية.
وربما تكمن الأزمة الأعمق في أنّ رابطة الكتّاب، التي يفترض أن تكون بيتًا جامعًا للمثقفين، أصبحت انعكاسًا دقيقًا لحالة الاستقطاب العامة في المجتمع العربي؛ حيث لم تعد الخلافات تدور فقط حول الأدب والفكر، بل حول النفوذ، والتمثيل، ومن يملك حق الحديث باسم “النخبة”.
المرشح المستقل في هذه المعركة يحاول استثمار هذا التعب العام من القوائم والتحالفات، مقدّمًا نفسه بوصفه صوتًا بعيدًا عن الاصطفافات، لكنّ التجارب السابقة تقول إنّ المستقلين غالبًا ما يصطدمون بآلة انتخابية معقّدة، تُدار بالعلاقات القديمة أكثر مما تُدار بالشعارات الجديدة.
ومع اقتراب يوم الاقتراع، تبدو الصورة مفتوحة على احتمالات عديدة؛ فالمشاركة قد تُفاجئ دعاة المقاطعة، والمقاطعة قد تُربك حسابات القوائم، أمّا البيانات المتبادلة، فهي مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصًا مع ارتفاع منسوب الاتهامات غير المباشرة ومحاولات كسب الرأي الثقافي العام.
ورغم كلّ هذا الاحتقان، يبقى الفيصل الحقيقي هو صناديق الاقتراع، بعيدًا عن أيّ محاولات لتصفية الحسابات الشخصية أو المعارك التي تستند إلى الشخصنة أكثر مما تستند إلى الصالح العام للرابطة. فالمؤسسات الثقافية لا تُبنى بالخصومات، بل بقدرتها على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى مساحة حوار تحفظ للرابطة مكانتها التاريخية ودورها الوطني والثقافي.
في النهاية، قد لا تكون القضية الحقيقية: من سيفوز في انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين؟
بل: هل ما زالت الثقافة قادرة على إنتاج مساحة اختلاف حضاري، أم أنّها أصبحت بدورها ساحةً أخرى لإنقسامات الظلّ العربية؟

