بقلم: [ محمد الطّورة – لندن ]
هل الإعلام مجرد مهنة نمارسها، أم أنه مسؤولية نحملها، ونؤمن بها، ونمضي في طريقها مهما كانت المسافات والتحديات؟
قد يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا، لكنه بالنسبة لمن اختار الإعلام طريقًا، ليس سؤالًا عابرًا، بل هو سؤال يرتبط بجوهر المهنة ورسالتها، وبالمعنى الذي نريد أن نمنحه للكلمة حين تصبح الكلمة موقفًا، والصورة شهادة، والخبر مسؤولية أمام الوطن والمجتمع والتاريخ.
من هذا الإيمان انطلقت تجربة «العموم نيوز»؛ موقعًا إعلاميًا أردنيًا يحمل همّ الوطن، وينطلق في رسالته من لندن، بعدما لم تتوافر له فرصة الصدور من الأردن.
لم تكن لندن بالنسبة لي غاية، ولم تكن المسافة بين لندن وعمّان حاجزًا أمام الرغبة في ممارسة الإعلام من أجل الوطن. بل كانت المسافة اختبارًا للإرادة، ودليلًا على أن الإعلام الحقيقي لا تحدده الجغرافيا بقدر ما تحدده الرسالة التي يحملها أصحابها، والصدق الذي يلتزمون به، والمسؤولية التي يشعرون بها تجاه وطنهم.
كان بإمكاني أن أضع الفكرة جانبًا، وأن أعتبر غياب الفرصة المحلية سببًا كافيًا للتراجع. لكنني اخترت الطريق الآخر؛ أن أحمل المشروع، وأن أقطع المسافة، وأن أطلق «العموم نيوز» من لندن، إيمانًا مني بأن خدمة الوطن لا ترتبط بمكان الوقوف، وإنما بما نقدمه من عمل، وما نحمله من قناعة، وما نتركه من أثر.
إن الإعلام، في تقديري، ليس مجرد مساحة لنقل الأخبار، ولا منصة لترديد ما يقوله الآخرون. الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، وضمير قبل أن يكون عنوانًا، والتزام قبل أن يكون حضورًا.
وإذا كان الخبر هو المادة الأساسية في العمل الصحفي، فإن الحقيقة هي روحه. وإذا كانت السرعة جزءًا من طبيعة الإعلام الحديث، فإن الدقة يجب أن تبقى شرطه الأول. أما الوطن، فلا ينبغي أن يكون مادة للاستهلاك الإعلامي، بل قيمة نحترمها ونصون صورتها ونختلف حول قضاياها بمسؤولية، بعيدًا عن الإثارة والتجريح وتزييف الحقائق.
ومن هنا جاءت قناعتي بأن الإعلام الوطني لا يعني إعلامًا بلا أسئلة، ولا إعلامًا يتخلى عن المهنية لصالح المواقف المسبقة. بل يعني إعلامًا يعرف أن النقد المسؤول يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الانتماء، وأن إعلاء المصلحة الوطنية لا يتعارض مع المهنية، وأن الدفاع عن صورة الوطن لا يكون بإخفاء الحقيقة، وإنما بعرضها بموضوعية، ووضعها في سياقها، واحترام عقل القارئ.
وفي هذه المسيرة، أؤمن أن الأردن يستحق إعلامًا يليق بتاريخه ومكانته، إعلامًا يفتح نوافذه على العالم، وينقل صوت الأردن إلى الخارج، ويقدم صورة حقيقية عن إنجازاته وتحدياته وطموحات أبنائه.
ومن لندن، حيث اخترنا أن يكون مقر انطلاقة «العموم نيوز»، لا ننظر إلى البعد الجغرافي باعتباره ابتعادًا عن الأردن. على العكس، إن كل ما نكتبه وننشره ونحاول بناءه هو محاولة لأن نبقى قريبين من الوطن، قريبين من قضاياه، ومن نبض الناس فيه، ومن مسيرته التي نريد لها أن تمضي بثبات نحو المستقبل.
وما يزيد هذه المسؤولية وضوحًا بالنسبة لنا هو الإيمان بأن الأردن، بقيادته الهاشمية، يحتاج إلى أصوات إعلامية مهنية قادرة على مخاطبة الداخل والخارج، وإلى منصات تعرف كيف تقدم الوطن للعالم بلغة رصينة، وكيف تتعامل مع القضايا الوطنية بعيدًا عن المبالغة والانفعال.
وفي هذا السياق، تأتي قناعتي الراسخة بأن خدمة الوطن والوقوف إلى جانب مسيرته وقيادته الهاشمية ليست شعارًا نرفعه، وإنما مسؤولية نترجمها في العمل الإعلامي المهني، وفي احترام الحقيقة، وفي الدفاع عن مصالح الأردن وصورته ومكانته.
لقد علّمتني تجربة «العموم نيوز» أن الطريق إلى الإعلام ليس دائمًا معبّدًا، وأن بعض المشاريع تبدأ من مساحة ضيقة، لكنها تكبر بالإيمان بها والعمل عليها. وأن غياب الفرصة لا يعني نهاية الحلم، بل قد يكون بداية طريق آخر أكثر صعوبة، لكنه أكثر صدقًا مع الذات.
ولهذا، فإن السؤال الذي بدأت به هذا المقال لا أراه بحاجة إلى إجابة طويلة.
الإعلام مهنة، نعم… لكنه عندما يكون صادقًا في غايته يتحول إلى مسؤولية.
مسؤولية أمام الله والوطن والناس.
مسؤولية أن نقول الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تكون.
ومسؤولية أن نمنح القارئ إعلامًا يحترم عقله، ويحترم وطنه، ويحترم الكلمة التي نحملها.
أما «العموم نيوز»، فهي بالنسبة لي ليست مجرد موقع إلكتروني يصدر من لندن؛ إنها تجربة بدأت من إيمان بأن للكلمة دورًا، وللإعلام رسالة، وللوطن حقًا علينا.
وإذا كانت المسافات قد حالت دون أن يكون انطلاقنا من عمّان، فإنها لن تحول دون أن يبقى الأردن حاضرًا في كل كلمة، وفي كل خبر، وفي كل موقف.
من لندن… نكتب للأردن.
ومن أجل الأردن… نحمل مسؤولية الكلمة.
وللوطن وقائد الوطن… نمضي في الطريق، مؤمنين بأن الإعلام حين يكون رسالة، تصبح المسافة مجرد تفصيل، وتصبح الكلمة جسرًا يصل الوطن بالعالم.