تأبط وطنا
من هو الموالي ومن هو المعارض؟ ومن يملك حق تصنيف الناس؟
أكتب “متأبّطًا” حزمةً من الأسئلة، كأنني أحمل حيرتي تحت إبطي ليس من وطن أحببته، وإنما من فكرة ما زلت، رغم بلوغي العقد السادس، عاجزًا عن فهمها. ففي بعض الدول يبدو أن الناس يُقسَّمون إلى فئتين لا ثالث لهما: معارض، وموالي. أما المعارض فمعناه يبدو واضحًا من الكلمة نفسها؛ هو الذي يعترض أو ينتقد أو يرفض أو يختلف مع السلطة في موقف أو قرار أو توجه. لكن ما يحيرني حقًا هو معنى «الموالي»، ومن يملك أصلًا حق تصنيف الإنسان على أنه موالٍ أو معارض.
هل الموالي هو الذي يؤيد كل ما يصدر عن السلطة؟ أم هو الذي لا ينتقدها؟ أم من يرفع صوته بالمديح؟ وهل مجرد الصمت يمكن أن يكون ولاءً؟ وإذا كان الإنسان يؤيد قرارًا ويعترض على آخر، فهل يبقى مواليًا أم يتحول إلى معارض؟ وإذا انتقد سياسة معينة، لكنه في الوقت نفسه يؤيد الدولة ويحترم مؤسساتها، فهل يصبح معارضًا؟
لقد بلغت العقد السادس من العمر، وما زلت أجد صعوبة في فهم هذه القاعدة التي تختصر الإنسان في موقف واحد، وكأن البشر لا يملكون إلا لونين: أبيض أو أسود. فالإنسان بطبيعته أكثر تعقيدًا من ذلك؛ قد أختلف مع الحكومة اليوم وأتفق معها غدًا، وقد أؤيد قرارًا وأرفض آخر، وقد أنتقد مسؤولًا لأنني أريد له أن ينجح، لا لأنني أريد له الفشل. وقد أختلف مع شخص في السياسة ثم أكتشف أننا نتفق معه في عشرات القضايا الأخرى.
لهذا أجد أن كلمة «موالٍ» نفسها تحتاج إلى تعريف: موالٍ لمن؟ للدولة، أم للحكومة، أم للحاكم، أم للحزب، أم للسياسة القائمة؟ هنا تكمن المفارقة؛ فقد يكون الإنسان مواليًا لوطنه، لكنه معارضًا لحكومته، وقد يكون مؤيدًا للحكومة لكنه غير راضٍ عن بعض قراراتها، وقد يختلف مع السلطة في الرأي وهو أكثر حرصًا على استقرار بلده من كثير ممن يصفقون لها.
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن اختصار الناس في خانات جاهزة. فالإنسان ليس مواليًا طوال الوقت ولا معارضًا طوال الوقت، وإنما هو مواطن له عقل وتجارب وقناعات، ومن حقه أن يفكر ويسأل وينتقد ويؤيد ويغيّر رأيه.
فالولاء الحقيقي، في نظري، لا يقاس بعدد مرات التصفيق، كما أن المعارضة لا تقاس بعدد العبارات الرافضة. قد يكون الولاء للوطن في أن تقول «أحسنت» عندما ترى الصواب، وأن تقول «أخطأت» عندما ترى الخطأ.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يصبح تصنيف الإنسان أهم من الإنسان نفسه، وأن يتحول السؤال من «ماذا يقول؟ ولماذا يقول ذلك؟» إلى «في أي خانة نضعه؟». عندها لا يعود المطلوب من المواطن أن يفكر، وإنما أن يختار خانته.
للأسف هناك حالات يتم فيها تحويل الاجتهاد في خدمة الوطن إلى سبب للعقوبة، وتحويل التعاون الذي يطلبه صاحب القرار من البعض إلى شبهة، يتم تحويل صاحبها من موالٍ إلى معارض دون إعلان أو تفسير، هذا ليس فقط ظلمًا للإنسان، بل هو قبل ذلك قصر نظر يحوّل اختلاف الأدوار إلى خلافات، ويجعل بعض المؤسسات تدافع عن حدودها أكثر مما تدافع عن الهدف الذي أُنشئت من أجله.
اليوم وبعد ستة عقود من العمر، ما زلت أفضل أن أكون إنسانًا يفكر، على أن أكون مجرد خانة في قائمة.