لندن: محمد الطّورة
يحيى الحموري… حين تكون الخبرة أكبر من المنصب

في الدولة الأردنية رجال لا تختصرهم المناصب، ولا يمكن أن تُقاس تجربتهم بمسمى وظيفي عابر. رجال أمضوا سنوات طويلة في خدمة مؤسسات الدولة، فجمعوا من المعرفة والخبرة ما يجعلهم قيمة مضافة لأي موقع يتولونه.
ومن هؤلاء الأستاذ يحيى الحموري، الذي أمضى ما يقارب ثلاثة عقود في خدمة الدولة الأردنية، جامعاً بين الخبرة الإدارية والثقافة السياسية والقدرة على التعامل الدبلوماسي، إلى جانب تجربة طويلة في العمل مع مجلس الأمة ووفوده البرلمانية.
وإذا كان من الصعب وضعه في خانة واحدة، فذلك لأنه جمع في تجربته المهنية أكثر من صفة؛ فهو إداري بحكم خبرته، وسياسي في قراءته للشأن العام، ومثقف في طريقة تفكيره، ودبلوماسي في أسلوب تعامله، والأهم أنه صاحب موقف لا يتغير بتغير الأشخاص والظروف.
ومن يقرأ مقالاته المنشورة في الصحف والمواقع الأردنية يلمس بوضوح أنه لا يكتب بحثاً عن مجاملة أو رضا، وإنما يقول ما يراه حقاً، حتى عندما تكون كلمة الحق أقل الطرق سهولة.
وهذه، في العمل العام، ليست صفة عابرة.
فالدولة لا تحتاج فقط إلى من ينفذون التعليمات، وإنما تحتاج إلى أصحاب الرأي والخبرة والقدرة على التحليل والنقد وقول الحقيقة عندما تكون الحقيقة ضرورة.
وقد أتيح لي أن ألتقي الأستاذ الحموري مهنياً خلال زيارات عدد من الوفود البرلمانية الأردنية إلى لندن، بحكم عملي في مجال التشريفات والمراسم في السفارة الأردنية، وكان واضحاً آنذاك ما يمتلكه من خبرة في التعامل مع أعضاء الوفود، وفي الإعداد للزيارات وبرامجها، وفهم طبيعة اللقاءات الرسمية وما ينبغي أن تحمله من رسائل تليق بالأردن ومؤسساته.
وقد جاب الحموري برفقة ممثلي الأمة عواصم ودولاً عديدة، وكانت له مساهمة واضحة في ترتيب تلك الزيارات الرسمية، بما تتطلبه من معرفة دقيقة بالبرامج والمواعيد واللقاءات، وبما ينبغي أن يقال في كل مناسبة، وهي تفاصيل تبدو في ظاهرها إدارية أو بروتوكولية، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى وعي سياسي وثقافة دبلوماسية وخبرة تراكمية.
بيت راس… بيئة تصنع احترام العلم
ولعل شخصية يحيى الحموري لا يمكن فصلها تماماً عن البيئة التي خرج منها.
فهو ابن بيت راس، أحد قرى أربد عروس الشمال، تلك البلدة التي ارتبط اسمها بتاريخ عريق، وخرج منها رجال تركوا بصماتهم في العلم والقانون والعمل العام.
وفي مقدمة هؤلاء يأتي العلامة والفقيه القانوني والوزير السابق محمد الحموري، رحمه الله، الذي كان واحداً من القامات القانونية والوطنية الأردنية البارزة.
والإشارة إلى ذلك ليست من باب النسب أو التفاخر بالمكان، وإنما لأن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان، وما يحيط به من نماذج علمية ووطنية، يمكن أن تترك أثراً عميقاً في تكوينه.
ومن يقترب من يحيى الحموري يستطيع أن يلمس شيئاً من هذا الأثر؛ احتراماً للعلم والقانون، واهتماماً بالشأن العام، ومنهجاً في التفكير يقوم على الحوار والحجة، بعيداً عن الاستعراض والمجاملة.
فالقامات التي خرجت من بيت راس ومن عشيرة الحموري الكريمة لم تكن مجرد أسماء في سجلات الحياة العامة، وإنما نماذج تركت أثراً في محيطها، ومن الطبيعي أن يكون لها حضور في ذاكرة الأجيال التي جاءت بعدها.
السؤال الذي يتجاوز الأشخاص
لكن الحديث عن يحيى الحموري في النهاية يقود إلى قضية أكبر من شخصه.
كيف تتعامل الدولة مع كفاءاتها الوطنية؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
فمن المؤسف أن يسود انطباع لدى الناس بأن بعض المناصب لم تعد تُحسم دائماً وفق معيار الخبرة والكفاءة، وإنما تتدخل فيها أحياناً المعرفة والواسطة والعلاقات الشخصية.
وإذا كان هذا الانطباع قد أصبح واقعاً في بعض الحالات، فإن الأمر لا يتعلق بظلم فرد أو إهدار فرصة شخص، وإنما بما هو أخطر: إضعاف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وإهدار خبرات وطنية راكمتها مؤسساتها نفسها عبر سنوات طويلة.
المناصب العامة ليست مكافآت تُمنح، ولا امتيازات تُوزع، وإنما مسؤوليات تحتاج إلى من يمتلك القدرة على حملها.
ولهذا يجب أن يكون المعيار الأول والأخير هو الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، لا القرب من أصحاب القرار أو اتساع دائرة العلاقات.
الدولة القوية ليست التي تكثر فيها المناصب، وإنما التي تعرف كيف تضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
فإهدار الخبرة الوطنية لا يعني خسارة صاحبها وحده؛ بل يعني أن الدولة تتخلى عن سنوات من المعرفة والتجربة، وهي أمور لا يمكن اكتسابها بين ليلة وضحاها، ولا تعويضها بمجرد شهادة أو مسمى وظيفي.
ولذلك فإن إعادة الاعتبار إلى الكفاءة ليست مطلباً لشخص أو لفئة، وإنما هي حاجة وطنية وإدارية.
الأردن لا يفتقر إلى الكفاءات، لكنه يحتاج إلى أن يرى هذه الكفاءات في مواقعها الصحيحة، وأن يثق بأن الوصول إلى المسؤولية العامة يمر أولاً عبر بوابة الإنجاز والخبرة والاستحقاق.
وهنا تصبح قصة يحيى الحموري مجرد مثال على قضية أوسع.
قضية رجال خدموا الدولة، وعرفوا مؤسساتها، وحملوا صورتها إلى الخارج، واكتسبوا خبرة لا توفرها الكتب وحدها، ثم وجدوا أنفسهم أمام سؤال مشروع: هل تنظر الدولة إلى ما قدموه وما يستطيعون تقديمه، أم أن معيار الاختيار أصبح في بعض الأحيان شيئاً آخر؟
ليس المطلوب أن تمنح الدولة المناصب لمن خدم فيها طويلاً لمجرد أنه خدم فيها، ولا أن تتحول الخبرة إلى استحقاق تلقائي.
المطلوب أبسط وأكثر عدلاً:
أن تكون الفرصة متاحة لمن يستحقها، وأن يكون معيار الاستحقاق هو الكفاءة.
فالمناصب تزول، والأسماء تتغير، أما الخبرة التي راكمها الإنسان خلال سنوات خدمته لوطنه فهي ثروة وطنية ينبغي ألا تُهدر.
وفي النهاية، فإن قيمة أي دولة لا تقاس فقط بعدد مؤسساتها ومناصبها، وإنما بقدرتها على اكتشاف رجالها ونسائها، ووضع كل كفاءة في المكان الذي تستطيع أن تخدم فيه وطنها بأفضل صورة.
فالمناصب لا تضيف دائماً إلى الرجال؛ أحياناً الرجال هم الذين يضيفون إلى المناصب.
وهذه هي الرسالة التي تستحق أن تصل إلى صانع القرار.



