لم تكن الحافلة مزدحمة ذلك الصباح.
كان المطر ينزل بهدوء، والمدينة تبدو كأنها لم تستيقظ تمامًا بعد. الأرصفة مبللة، وأضواء المحال تنعكس على الإسفلت، والناس يمشون مسرعين، كلٌّ إلى وجهته، يحمل همومه الصغيرة وكأنها جزء من حقيبته.
أما أنا، فكنت أفضل دائمًا الجلوس في المقعد الأخير.
ليس لأنني أحب العزلة، وإنما لأن المقعد الأخير كان يمنحني فرصة لأرى الجميع.
من هناك كنت أراقب الركاب بصمت؛ وجوههم، حركات أيديهم، شرود عيونهم، ابتساماتهم الصغيرة، وحتى صمتهم.
كنت أحاول أن أقرأ ما لا يقولونه.
ربما أقرأ أحلامهم…
وربما أوجاعهم.
ففي الحافلة، كما في الحياة، يجلس إلى جوارك أناس لا تعرف أسماءهم، ولا تعرف إلى أين يمضون، ولا ما الذي تركوه خلفهم، لكنك تشعر، بمجرد النظر في عيونهم، أن لكل واحد منهم حكاية طويلة.
كنت أتخيل أن المرأة التي تضم حقيبتها إلى صدرها تخبئ خوفًا، وأن الشاب الذي يحدق طويلًا في هاتفه ينتظر رسالة قد تغير يومه، وأن الرجل الذي يبتسم بلا سبب ربما يحاول أن يخفي شيئًا يؤلمه.
وأحيانًا كنت أشعر أن الحافلة ليست سوى مدينة صغيرة تتحرك بنا.
كل مقعد فيها حكاية.
وكل نافذة تطل على ذاكرة.
وكل وجه يحمل سرًا لا يعرفه سواه.
وكان سيف، سائق الحافلة، يعرف كيف يجعل هذه المدينة الصغيرة أكثر حياة.
كان في منتصف الأربعينيات، خفيف الظل، سريع البديهة، لا يترك موقفًا يمر دون تعليق أو مزحة. يعرف معظم الركاب، ينادي بعضهم بأسمائهم، ويسأل عن الغائبين، ويمازح هذا، ويطمئن على ذاك.
كان يعرف متى يضحك الناس، ومتى يصمت.
وربما كان يعرف، أكثر منا جميعًا، أن الإنسان قد يصعد الحافلة مثقلًا بالحزن، ثم ينزل منها أخف قليلًا بسبب كلمة طيبة أو ضحكة عابرة.
صعد رجلٌ في الخمسينيات، يحمل كيسًا صغيرًا بيده.
ألقى السلام، وبحث عن مقعد فارغ، ثم جلس في المقعد المقابل.
وضع الكيس بين قدميه، ومسح قطرات المطر عن جبينه.
قال سيف من خلف المقود:
— أهلًا أبو محمد… تأخرت اليوم، شكلك كنت بتفاوض الحكومة!
ضحك الرجل وقال:
— لا يا سيف، أم محمد هي الحكومة!
انفجرت الحافلة بالضحك.
رد سيف:
— الله يعينك… أنا من زمان بحكي إن الزواج بده رخصة قيادة، مش عقد!
ارتفعت الضحكات من جديد.
ابتسم الرجل، لكنه لم يضحك طويلًا.
بعد قليل رن هاتفه.
أجاب:
— نعم يا أمي… لا، أنا بالطريق… لا تقلقي، سأصل قبل الظهر.
صمت قليلًا، ثم قال:
— هل أكلتِ شيئًا؟
تغير صوته فجأة.
اختفت منه تلك النبرة التي كان يمازح بها سيف قبل دقائق.
قال:
— لا، لا تنتظريني… كلي أنتِ أولًا.
ثم سكت.
وبصوت خافت قال:
— وأنا أيضًا اشتقت لكِ.
أنهى المكالمة، ووضع الهاتف في جيبه.
ساد الصمت لحظات.
حتى سيف، الذي كان لا يترك فرصة للمزاح، لم يقل شيئًا.
قلت للرجل:
— والدتك مريضة؟
نظر إليّ، وابتسم ابتسامة حزينة.
— كبيرة في العمر… وأنا آخر أبنائها.
قلت:
— يبدو أنك تحبها كثيرًا.
قال:
— كلنا نحب أمهاتنا… لكن المشكلة أننا لا نعرف قيمة الأشياء إلا عندما تصبح بعيدة.
ثم نظر إلى الكيس الصغير بين قدميه.
قال:
— هذه بعض الفاكهة لها.
سألته:
— ماذا فيه؟
قال:
— برتقال… تحبه.
ابتسم سيف من خلف المقود وقال:
— إذن يا جماعة، اليوم في الحافلة شخص ذاهب لأمه ومعه برتقال… وأنا ذاهب إلى بيتي ومعي فاتورة كهرباء!
ضحك الركاب.
ضحك الرجل أيضًا هذه المرة.
ثم قال سيف:
— بس والله يا أبو محمد، أمك أهم من الفاتورة… الفاتورة بتستنى، الأم ما بتستنى.
ساد صمت جميل.
كأن الجملة خرجت من سيف دون أن يقصد أن تكون عميقة.
أو ربما كان يقصد.
واصل القيادة، ثم قال:
— أنا أمي توفت من سبع سنين.
لم يرد أحد.
قال وهو ينظر إلى الطريق:
— كانت كل ما أرجع من الشغل تسألني: أكلت؟
ابتسم.
— وأنا كنت أجاوبها: آه.
ثم ضحك بحزن:
— وأنا ما كنت أكون آكل أصلًا… بس كنت أخاف عليها من الزعل.
نظر إلى المرآة الصغيرة أمامه.
وقال:
— اليوم، لو ترجع تسألني “أكلت؟”، والله لأقعد آكل أسبوع كامل بس عشان أسمعها.
لم نعرف ماذا نقول.
في المقعد الخلفي كانت امرأة تحمل طفلة نائمة، وضمتها إلى صدرها أكثر.
والرجل المسن الذي كان يحدق من النافذة، أدار وجهه بعيدًا، ومسح عينه سريعًا.
أما الرجل الذي يحمل البرتقال، فظل صامتًا.
كان يمسك الكيس بيده، وكأنه يخشى أن يفلت منه شيء أثمن من البرتقال.
عند محطة قادمة، صعدت فتاة صغيرة إلى الحافلة، وأعطت سيف الأجرة.
نظر إليها وقال:
— وين المصروف؟
قالت:
— بابا أعطاني.
قال سيف:
— سلّميلي عليه، وقولي له سيف بحكي لازم يزيد المصروف!
ضحكت الفتاة.
ضحك الجميع.
وعادت الحافلة إلى صخبها الخفيف.
هكذا كان سيف.
يمنح الطريق شيئًا من الفرح، دون أن يعرف كم يحتاجه الركاب.
أما أنا، فكنت أعود إلى مقعدي الأخير، أراقب الوجوه من جديد.
لكنني في ذلك الصباح لم أعد أراها كما كنت أراها من قبل.
صرت أرى خلف كل وجه أمًا تنتظر، أو أبًا غائبًا، أو بيتًا قديمًا، أو حلمًا مؤجلًا، أو وجعًا لا يقال.
عند المحطة التالية، نهض الرجل صاحب كيس البرتقال.
قال:
— هون بنزل.
قال سيف:
— سلّملي على الوالدة.
ابتسم الرجل:
— حاضر.
ثم أضاف سيف:
— ولا تنسى… إذا سألتك أكلت، لا تكذب!
ضحك الرجل، ونزل.
ظللت أراقبه من النافذة.
كان يمشي تحت المطر، يضم كيس البرتقال إلى صدره، وكأنه يحمل أمه لا البرتقال.
تحركت الحافلة.
وبعد دقائق رن هاتفي.
كانت أمي.
قالت:
— وينك؟
قلت:
— بالحافلة.
قالت:
— دير بالك على حالك.
سكتُّ لحظة.
ثم قلت:
— اشتقت لكِ.
لم تقل شيئًا في البداية.
سمعت فقط تنفسها.
ثم قالت:
— وأنا يا ابني.
أغلقت الهاتف، وأسندت رأسي إلى زجاج النافذة.
كان المطر ما يزال يهطل.
وسيف ما يزال يقود الحافلة، يوزع ابتساماته على الركاب، كأنها أجرة إضافية لا يطلب عليها ثمنًا.
أما أنا، فبقيت في مقعدي الأخير.
أراقب المدينة من خلف الزجاج، وأفكر في كل أولئك الذين عبروا الحافلة، وفي حكاياتهم التي لم أعرف منها إلا القليل.
فقد أدركت يومها أن الحافلات لا تنقل الناس فقط من مكان إلى آخر.
أحيانًا تنقل أحزانهم أيضًا.
وأحيانًا، بكلمة طيبة أو ضحكة عابرة، تعيدهم إلى أنفسهم.
وربما كان أجمل ما في تلك الرحلة أنني لم أتذكر إلى أين كنت ذاهبًا…
لكنني تذكرت أن هناك أمًا في مكان ما، تنتظر أن تسمع من ابنها:
اشتقت لكِ.
ومنذ ذلك اليوم، كلما ركبت حافلة، صرت أبحث عن مقعدي الأخير.
ليس لأراقب الركاب فحسب…
بل لأقرأ، ما استطعت، أحلامهم وأوجاعهم.
ففي المقعد الأخير من الحافلة، اكتشفت أن أجمل الحكايات ليست تلك التي نسمعها كاملة…
بل تلك التي نلمحها في وجوه العابرين.