لن يذهب الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكومة جديدة فحسب، بل للإجابة على السؤال الكبير.. هل انتهى عصر بنيامين نتنياهو أم أن الرجل الذي نجح طوال سنوات في تحويل الأزمات إلى فرص سياسية ما زال يملك مفاجأة أخيرة؟
المفارقة أن نتنياهو قد يخسر الانتخابات ولا يخسر الحكم، وقد يحصل غادي أيزنكوت على أكبر عدد من المقاعد ولا يصبح رئيساً للوزراء ، فالـ«61» هي الكلمة السحرية في إسرائيل، وليس عدد المقاعد التي يحصل عليها الحزب الأول.
حتى الآن، تمنح استطلاعات غادي أيزنكوت وحزبه «يشَر» تقدماً على الليكود، فيما يبقى معسكر نتنياهو بعيداً عن الأغلبية، لكن الفارق ليس كبيراً بما يكفي لإعلان نهاية نتنياهو، بل إن الليكود، بعد الانتخابات الداخلية الأخيرة، لا يزال يمتلك ماكينة سياسية وتنظيمية صلبة، فيما يواجه خصوم نتنياهو مهمة أصعب، إنها مهمة تحويل تفوقهم الانتخابي إلى ائتلاف قادر على البقاء.
وهنا تعود إسرائيل إلى درس 2009، يومها لم يكن الليكود الحزب صاحب أكبر عدد من المقاعد، لكن نتنياهو نجح في تشكيل الحكومة لأن خريطة التحالفات كانت لمصلحته، أما درس 2019 فكان مختلفاً: فوز انتخابي بلا قدرة على تركيب ائتلاف، ثم حل الكنيست والدخول في دوامة انتخابات متتالية.
لذلك، فإن سيناريو أكتوبر/تشرين الأول قد يكون نسخة جديدة من أحدهما.
فإذا نجح نتنياهو في جمع الليكود مع شاس ويهودوت هتوراه والقوى اليمينية والدينية، واقترب من 61 مقعداً، فقد يعود إلى رئاسة الحكومة حتى لو جاء حزبه خلف «يشَر»، لكن المشكلة أن اليمين نفسه أصبح أكثر تشرذماً، فيما تتنافس أحزاب جديدة على أصوات المعسكر ذاته.
في المقابل، يستطيع إيزنكوت أن يبني حكومة تضم «يشَر»، ونفتالي بينيت ويائير لابيد، والديمقراطيين، وإسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان، وربما أحزاباً أخرى من الوسط واليمين المعتدل، غير أن هذا التحالف سيكون أشبه بزواج مصلحة سياسي، يجمع أطرافاً تختلف في قضايا الأمن، وغزة، والضفة، والقضاء، والدين والدولة.
وهنا يدخل منصور عباس إلى المشهد باعتباره «بيضة القبان»، فالقائمة العربية الموحدة قد لا تكون شريكاً طبيعياً لأيزنكوت، خصوصاً أن الأخير تحدث عن تشكيل «أغلبية صهيونية»، لكنه قد يضطر إلى التعامل معها إذا أصبحت أصواتها ضرورية لمنع نتنياهو من العودة، وعباس نفسه يراهن على أن موقعه البرلماني سيمنحه القدرة على التفاوض مع القوى الساعية إلى تشكيل الحكومة، وقد تعزز موقعه مؤخراً بانضمام النائب السابق يوآف سيغالوفيتش إلى قائمته للانتخابات المقبلة، لكن الاحتمال الأكثر إثارة قد يكون ما اسميها «حكومة الشلل الوطني»، لا نتنياهو يستطيع الوصول إلى 61، ولا أيزنكوت يستطيع ذلك، عندها قد لا يكون أمام إسرائيل سوى حكومة وحدة واسعة، أو صيغة تناوب، أو حكومة أقلية تعتمد على دعم خارجي، وهذه الحكومة إذا ولدت، ستكون حكومة الضرورة لا حكومة الرؤية، ستنجح ربما في منع انتخابات جديدة، لكنها ستجد نفسها مشلولة أمام الملفات الكبرى: مستقبل غزة، الضفة الغربية، العلاقة مع الفلسطينيين، التجنيد الحريدي، القضاء، الاقتصاد، وعلاقة الجيش بالمستوى السياسي.
أما نتنياهو، فخسارته رئاسة الحكومة ستكون بداية المعركة الحقيقية داخل الليكود، فالسؤال لن يكون فقط: «من هزم نتنياهو؟»، بل: من سيخلفه؟ ومع ذلك، فإن الليكود قد يخرج من الانتخابات قوياً بما يكفي ليبقى لاعباً مركزياً، حتى إذا خرج نتنياهو نفسه من المشهد.
ولهذا فإن انتخابات أكتوبر قد لا تكون انتخابات بين نتنياهو وأيزنكوت بقدر ما هي انتخابات على إسرائيل ما بعد نتنياهو.
إذا فاز نتنياهو، سيكون قد كتب فصلاً جديداً من بقائه السياسي الاستثنائي. وإذا فاز أيزنكوت واستطاع تشكيل الحكومة، تبدأ إسرائيل مرحلة مختلفة، أما إذا لم يستطع أي منهما جمع الـ61، فقد تعود إسرائيل إلى السيناريو الذي بات مألوفاً لديها: انتخابات تحسم المقاعد ولا تحسم السلطة، وحكومة تولد من الشلل وتعيش على حافة الانهيار.
والسؤال الذي سيبقى معلقاً حتى ليلة النتائج: هل يستطيع نتنياهو أن يخسر صناديق الاقتراع ويربح إسرائيل من جديد؟