بقلم: محمد الطّورة
مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنيةليس مجرد صورة لمبنى من الحجر، مهما بدا الحجر فيها جميلاً، شامخاً ومهيباً.
إنها صورة لمكانٍ تتقاطع عنده ذاكرة وطن، وهيبة دولة، وتاريخ جيش، ومسيرة رجال حملوا أمانة الأردن في أصعب الظروف.
إنها القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي؛ المكان الذي تُصنع فيه القرارات الكبرى، وتُرسم فيه الخطط، وتُراجع فيه الجاهزية، والأهم من ذلك كله: المكان الذي يقف خلفه آلاف الرجال والنساء الذين اختاروا أن يكون الوطن مهنتهم ورسالتهم.
ولذلك، فإن وصف القوات المسلحة بأنها “مصنع الرجال” ليس مبالغة عاطفية. فالجيش الأردني، الذي ارتبط تاريخه بتاريخ الثورة العربية الكبرى، خاض على امتداد مسيرته معارك الشرف والبطولة في فلسطين وغيرها، وراكم تقاليد عسكرية جعلت من الانضباط والاحتراف والتضحية جزءاً من شخصيته الوطنية.
الحجر يتحدث
المبنى الذي نراه في الصورة هو المقر الجديد للقيادة العامة في منطقة ياجوز، وقد افتتحه الملك عبدالله الثاني في كانون الثاني 2024 بحضور ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.
رمزية هذا المبنى لا تقف عند مساحته أو هندسته.
في واجهته الحجرية الصلبة يمكن للمرء أن يرى شيئاً من شخصية المؤسسة التي يحتضنها: الثبات، والانضباط، والهيبة، والانتماء إلى الأرض.
الأقواس الممتدة على الواجهة تستحضر في شكلها لغة العمارة العربية، والحجر الأردني يمنح المكان صلة مباشرة بالأرض، بينما تقف البوابة المركزية كأنها تقول إن وراء هذه الجدران مؤسسة لا تتعامل مع الأمن الوطني باعتباره شعاراً، بل باعتباره مسؤولية يومية.
أما الأعلام المنتشرة أمام المبنى، فتختصر الحكاية كلها:
هذا جيش أردني، وهذه قيادة أردنية، وهذه راية وطن.
من الحنيطي إلى الحراسيس.. الراية لا تتوقف
وفي الثاني من أيلول 2026، شهدت المؤسسة العسكرية انتقالاً مهماً في رأس هرمها القيادي.
فقد صدرت الإرادة الملكية السامية بترفيع اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي إلى رتبة فريق وإحالته إلى التقاعد، بعد نحو سبع سنوات من توليه رئاسة هيئة الأركان المشتركة، وتعيين العميد الركن مجدي محمد حماد الحراسيس، بعد ترفيعه إلى رتبة لواء، رئيساً لهيئة الأركان المشتركة.
سبع سنوات في قيادة الجيش ليست رقماً عابراً.
لقد تولى الحنيطي المسؤولية في تموز 2019، وكان أول رئيس لهيئة الأركان المشتركة يأتي من سلاح الجو الملكي، بعد أن كان المنصب تقليدياً مرتبطاً بقيادات الجيش.
وخلال السنوات الأخيرة، كان عنوان العمل العسكري الأردني واضحاً: رفع الجاهزية، التدريب النوعي، تحديث القدرات، ومواكبة طبيعة التهديدات الحديثة. وفي مطلع 2026، كان الحنيطي يتحدث عن الجاهزية القتالية باعتبارها أولوية قصوى، وعن تطوير البرامج التدريبية ومواجهة التحديات الجديدة، بما فيها الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحتها.
وفي كانون الثاني من العام نفسه، ارتبطت المرحلة الأخيرة من قيادته برسالة ملكية لإعداد استراتيجية وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع التركيز على التطوير النوعي وتعزيز الكفاءة والجاهزية القتالية للمنتسبين.
ومن هنا، فإن تقاعد قائد لا يعني نهاية مرحلة بقدر ما يعني انتقال الأمانة إلى قائد آخر.
الحراسيس.. قائد من داخل المدرسة
القائد الجديد، اللواء الركن مجدي الحراسيس، ليس غريباً عن هذه المؤسسة.
التحق بالقوات المسلحة عام 1990، ويحمل دبلوم العلوم العسكرية، وبكالوريوس في الحاسوب والعلوم العسكرية، وماجستيراً في هندسة الحاسوب. وتدرج في مواقع عسكرية وقيادية، وكان من أبرزها إدارة الاستخبارات العسكرية العامة، ثم قيادة كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات المؤسسة العسكرية الأردنية:
القائد الجديد يأتي من داخل المدرسة نفسها.
من الصفوف الأولى إلى المواقع القيادية، ومن الميدان إلى غرف التخطيط، تتشكل الخبرة العسكرية الأردنية عبر سنوات طويلة من الخدمة والانضباط والتأهيل.
ولذلك فإن انتقال القيادة من الحنيطي إلى الحراسيس ليس مجرد تبديل أسماء على باب المكتب؛ إنه استمرار لتقاليد مؤسسة تعرف أن الأشخاص يتغيرون، لكن المهمة لا تتغير.
عبدالله الثاني.. الجيش ليس سلاحاً فقط
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في هذه المناسبة هو مضمون الرسالة التي وجهها الملك عبدالله الثاني إلى رئيس الأركان الجديد.
فالملك، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لم يختصر المهمة في التسليح أو العمليات أو الخطط العسكرية.
لقد وضع الإنسان العسكري في قلب المهمة.
ففي رسالته إلى الحراسيس، أكد الملك ضرورة مواصلة إعادة هيكلة القوات المسلحة وتطوير إمكاناتها وتحديث أدواتها، لكنه شدد كذلك على أن يحظى نشامى ونشميات القوات المسلحة بالجل اهتمام والرعاية، وتمكينهم وبناء قدراتهم، ضباطاً وضباط صف وأفراداً، لضمان أعلى مستويات الأداء والاحترافية.
وهذا ليس توجهاً طارئاً.
فالخطاب الرسمي للقوات المسلحة يؤكد أن الملك عبدالله الثاني، منذ توليه سلطاته الدستورية، أولى القوات المسلحة اهتماماً خاصاً، سواء في مجال التطوير والتحديث والتسليح والتأهيل، أو في تحسين أوضاع منتسبيها العاملين والمتقاعدين.
وهنا تظهر فلسفة مهمة:
لا يمكن أن يكون لديك جيش قوي إذا لم يكن لديك جندي يشعر بأن مؤسسته تقف إلى جانبه.
فالجندي الذي يقف على الحدود، والطيار في سماء المملكة، والطبيب العسكري، والمهندس، وضابط الصف، والضابط، والمتقاعد الذي أفنى عمره في الخدمة، جميعهم جزء من منظومة واحدة.
الجندي أولاً
ربما لهذا السبب يكرر الملك عبدالله الثاني في مناسبات عديدة الحديث عن منتسبي القوات المسلحة، لا باعتبارهم أرقاماً في جداول القوة البشرية، وإنما باعتبارهم نشامى ونشميات.
هذه التسمية بحد ذاتها تحمل فلسفة.
فالجندي في الوعي الأردني ليس مجرد حامل سلاح؛ إنه ابن أسرة أردنية، وابن قرية أو مدينة، وربما ابن شهيد أو أخ لشهيد، وهو في النهاية إنسان له أسرة ومستقبل واحتياجات وحقوق.
ومن هنا جاء الاهتمام بالتدريب والتأهيل، وبناء القدرات، وبأوضاع العاملين والمتقاعدين.
فالجيش الذي يريد منه الوطن أعلى درجات التضحية، يجب أن يمنح أبناءه في المقابل أعلى درجات الرعاية والتقدير.
من هنا خرج الرجال.. وإلى هنا تعود قصصهم
حين ننظر إلى هذه الصورة، قد نرى مبنى حديثاً تحيط به طرق واسعة وأعلام أردنية.
لكن لو أطلنا النظر قليلاً، يمكن أن نتخيل خلف هذه الجدران قصص آلاف العسكريين.
شاب دخل القوات المسلحة قبل عقود وهو يحمل حلماً صغيراً، ثم أصبح ضابطاً.
جندي وقف ذات ليلة على الحدود، بينما كانت أسرته نائمة.
طيار أقلع في مهمة ولم يكن يعرف ماذا سيحمل له الصباح.
طبيب عسكري أنقذ حياة زميل.
ضابط صف علّم أجيالاً معنى الانضباط.
وقائد جلس في غرفة عمليات يتخذ قراراً يعرف أن حياة رجال تعتمد عليه.
هؤلاء هم الذين يعطون المبنى معناه.
الحجر لا يصنع الهيبة وحده؛ الرجال هم الذين يصنعونها.
قيادة تتغير.. وعقيدة تبقى
لذلك، فإن تقاعد الفريق الركن يوسف الحنيطي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خاتمة فقط، كما أن وصول اللواء الركن مجدي الحراسيس لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه بداية منفصلة.
إنها ببساطة سنة المؤسسات:
قائد يسلم الراية إلى قائد.
والراية هنا أكبر من الأشخاص.
هي راية الجيش العربي، المؤسسة التي ارتبط تاريخها بتاريخ الدولة الأردنية نفسها، والتي تقوم مهمتها على حماية الوطن وسيادته وأمنه، وعلى الاستمرار في التطوير والتحديث لمواجهة ما يتغير حول المملكة من تحديات.
والملك عبدالله الثاني، وهو الذي خدم في القوات المسلحة وتدرج في مواقعها قبل أن يصبح قائداً أعلى لها، يعرف هذه المؤسسة من الداخل؛ ولذلك تبدو علاقته بها أكثر من علاقة قائد أعلى بمؤسسة عسكرية.
إنها علاقة رجل يعرف قيمة الجندي، ويعرف أن قوة الجيش لا تقاس فقط بعدد دباباته وطائراته، وإنما أيضاً بمعنويات رجاله، وكفاءة قياداته، وثقة منتسبيه بمؤسستهم، وثقة الشعب بجيشه.
وفي النهاية…
لهذا تبدو هذه الصورة أكبر من مبنى.
إنها صورة للأردن حين يضع الدولة فوق الأشخاص، والمؤسسة فوق الفرد، والراية فوق الرتبة.
هنا تقاعد قائد بعد سنوات من الخدمة.
وهنا تسلم قائد آخر الأمانة.
وهنا، بين الحجر الأردني والأعلام الثلاثة التي ترفرف أمام المدخل، تختصر الحكاية:
رجال يذهبون، ورجال يأتون، أما الجيش العربي فيبقى.
ويبقى الوطن هو الغاية، ويبقى الجندي هو قلب المؤسسة، وتبقى القيادة العامة المكان الذي تُحفظ فيه أمانة ثقيلة اسمها الأردن.
ومن أجمل ما قاله الملك عبدالله الثاني في رسالته إلى رئيس الأركان الجديد أن منتسبي القوات المسلحة «موضع ثقتنا وفخرنا واعتزازنا»؛ وهي عبارة تصلح أن تكون عنواناً لهذه الصورة كلها.
فهذا المبنى ليس مصنعاً للحجر…
إنه، بحق، مصنع الرجال.