في زمنٍ اختلطت فيه الاتجاهات، وتاهت فيه البوصلة السياسية وسط ضجيج المصالح والتحالفات المتبدّلة، جاء الموقف العُماني الأخير ليعيد إلى المشهد العربي شيئًا من وضوح الصورة، وشيئًا من المعنى الذي افتقدناه طويلًا.
فقد أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، بوضوحٍ لا يحتمل التأويل، أن سلطنة عُمان لن تطبّع مع إسرائيل، ولن تنضم إلى ما يُسمّى بـ«مجلس السلام»، مشددًا على أن الحرب الجارية في المنطقة تستهدف إضعاف إيران؛ وهو تصريح يعكس قراءة سياسية متزنة، ويؤكد استمرار النهج العُماني القائم على الاستقلالية السياسية والابتعاد عن الاصطفافات الحادة.
ليس جديدًا على عُمان أن تختار طريقها الخاص. فمنذ عقود، حافظت السلطنة على سياسة تقوم على الحكمة، وعدم الانجرار وراء الانفعالات العابرة، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت، أو تبديل المواقف تحت ضغط اللحظة.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الإقليمية، وتُعاد صياغة الخرائط السياسية تحت عناوين كثيرة، تبدو مسقط وكأنها ما تزال تؤمن بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاوز الحقوق التاريخية للشعوب، ولا على القفز فوق الجراح المفتوحة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي ما تزال تمثل الضمير العربي مهما حاول البعض إزاحتها عن مركز المشهد.
إن الإشادة بالموقف العُماني لا تأتي من باب المجاملة السياسية، بل من تقدير دولة اختارت أن تحافظ على اتزانها وسط عاصفة الاستقطاب. فرفض التطبيع في هذا التوقيت ليس مجرد قرار دبلوماسي، بل رسالة سياسية وأخلاقية تقول إن المنطقة لا تزال بحاجة إلى حلول عادلة، لا إلى ترتيبات مؤقتة تُرحّل الأزمات ولا تُنهيها.
كما أن قراءة الوزير بدر البوسعيدي لطبيعة الحرب الدائرة، باعتبارها تستهدف إضعاف إيران، تعكس إدراكًا عميقًا لتعقيدات الإقليم، بعيدًا عن الشعارات السريعة أو الاصطفافات الجاهزة. فالحروب في منطقتنا لم تعد أحداثًا منفصلة، بل باتت حلقات مترابطة ضمن إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ.
وعُمان، التي اعتادت أن تتحدث بهدوء، تبدو اليوم أكثر تمسكًا بلغتها السياسية القائمة على الحكمة والاتزان. وربما لهذا السبب تحظى مواقفها دائمًا باحترامٍ يتجاوز حدود الجغرافيا.
في عالمٍ عربي يضجّ بالمفاجآت، تبقى بعض الدول قادرة على أن تقول «لا» حين يصبح الصمت أسهل، وأن تتمسك بثوابتها حين يصبح التبدّل أكثر إغراءً.
ذلك ما فعلته عُمان… وذلك ما يجعل موقفها يستحق الاحترام.

