لندن: محمد الطّورة
لفت انتباهي خلال الأيام الماضية ذلك الكم الهائل من الصور والشعارات والمنشورات التي امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تغنّت بعيد الاستقلال، هذه المناسبة الوطنية العزيزة التي تسكن وجدان كل أردني. وهنا لا أنتقص أبدًا من قيمة هذا التفاعل الجميل، بل على العكس، فهو يعكس حجم المحبة والانتماء لهذا الوطن الغالي، بدءًا من جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي رعى يوم أمس احتفالات المملكة بهذه المناسبة الوطنية الكبيرة، وصولًا إلى كل مواطن أردني، كبيرًا كان أم صغيرًا، رجالًا ونساءً، ممن ساهموا كلٌ بطريقته في إبراز صورة تليق بالأردن وتاريخه وهيبته.
لقد كانت مشاهد الفرح والاعتزاز مصدر فخر لكل من يحب هذا الوطن، وأثبت الأردنيون مرة أخرى أن الأردن يسكن قلوبهم قبل كلماتهم. لكن الأجمل من الاحتفال أن تستمر هذه الروح الوطنية بعد انتهاء المناسبة؛ أن تتحول مشاعر الانتماء إلى سلوك يومي، وإلى عمل وإخلاص ومسؤولية، يخدم من خلالها كل واحد منا الأردن من موقعه، وبما يستطيع أن يقدمه لوطن يستحق منا الكثير.
تعودنا في الأردن أن نرفع الأعلام، ونكتب التهاني، ونتغنى بالوطن في المناسبات، فتضج المنابر بالأغاني الوطنية، وتمتلئ الصفحات بالتصاميم والشعارات والكلمات المنمقة. وفي الأعياد والمناسبات الوطنية، يتفنن الجميع في إظهار الحب والانتماء، وكأن الوطن لوحة نزينها بالكلمات ثم نغادرها كما هي. لكن السؤال الذي يجب أن يوقظ ضمائرنا جميعًا: هل يكفي أن نقول إننا نحب الوطن، أم أن حب الوطن فعلٌ قبل أن يكون قولًا؟
ما قيمة الأغاني إذا لم تتحول إلى سلوك؟ وما معنى الشعارات إذا بقيت حبيسة المناسبات؟ فالأوطان لا تُبنى بالتصفيق، بل تُبنى بالوعي، والإخلاص، والعمل الصادق، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
كم منا أوصل صوته الصادق لصاحب القرار بما ينفع الوطن ويحفظ كرامته ومستقبله؟ كم منا كتب كلمة حق، أو قدم فكرة، أو دافع عن مصلحة عامة دون انتظار مديح أو منفعة؟ إن أضعف الإيمان تجاه الوطن أن نقول كلمة ترفع شأنه وتحميه من العبث والتراجع.
الوطن ليس حكومة فقط، وليس حدودًا وجغرافيا فحسب؛ الوطن أخلاق الناس، وضمائر المسؤولين، وسلوك المواطنين، وقدرتهم على حماية مكتسباتهم ووحدتهم الوطنية. فحين تنتشر الخلافات الصغيرة، وتعلو لغة الكراهية، وتُغتال سمعة الناس بالإشاعات، فإننا لا نؤذي أفرادًا فقط، بل نطعن صورة الوطن في قلبه.
أي وطن نريده إذا كنا نهدر الطعام في مناسباتنا بينما هناك محتاج يخجل من طلب لقمة؟ وأي انتماء نتحدث عنه إذا أصبح البذخ والتفاخر أسلوب حياة، فيما تتكسر قلوب الفقراء بصمت؟ وأي معنى للرحمة إذا انشغل الناس بالمظاهر ونسوا كبار السن وصلة الأرحام ومواساة المحتاجين؟
إن حب الوطن يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من احترام القانون، من الصدق في العمل، من التربية الحسنة، من حماية المال العام، من الكلمة النظيفة، ومن تمثيل الأردن في الخارج بصورة تليق بتاريخه وكرامة شعبه. فالوطن لا يحتاج إلى مواطن يصفق له يومًا، ثم يسيء إليه كل الأيام، بل يحتاج إلى إنسان يحمل الوطن في ضميره أينما كان.
لقد أدرك الحكماء عبر التاريخ أن الأمم لا تنهض بما تقوله، بل بما تفعله. فلا خير في أمة تحفظ الأناشيد وتنسى القيم، ولا خير في شعب يرفع الشعارات بينما يهدم وطنه بسلوكه اليومي. فالكلمات الجميلة بلا أفعال تشبه الزهور البلاستيكية؛ مظهرها جميل، لكنها بلا روح ولا عطر.
نحن بحاجة إلى مراجعة صادقة مع أنفسنا؛ أن نسأل قبل كل مناسبة وطنية: ماذا قدمنا للوطن غير الكلام؟ هل أصلحنا ذات بين؟ هل حفظنا وحدة مجتمعنا؟ هل نشرنا الخير بدل الإشاعة؟ هل راعينا مشاعر الناس؟ هل أدركنا أن الحياة أقصر من أن نملأها بالبغضاء والمشاحنات؟
الأوطان العظيمة لا يصنعها المتحدثون باسم الحب، بل يصنعها الصادقون في أفعالهم. ومن أراد أن يحتفل بالوطن حقًا، فليكن الاحتفال سلوكًا يوميًا من الاحترام، والعطاء، والرحمة، والعمل النظيف. عندها فقط يصبح للهتاف معنى، وللعلم قيمة، وللوطن مستقبل يستحق أن نفتخر به.

