ثمة أماكن لا نمر بها، بل تمر هي في أعمارنا، وتبقى تسكننا كلما تقدم بنا العمر. يكفي أن نذكر أسماءها حتى تستيقظ الذاكرة بكل تفاصيلها؛ رائحة المطر، وصوت الجرس المدرسي، وخطوات الصغار على الأرصفة، وضحكات كانت تملأ الشوارع ثم استقرت في القلب.
في نيسان، لا تعود الفراشات مجرد كائنات تعبر الهواء، بل تصبح رسائل صغيرة يبعثها الربيع إلى الشوارع التي حفظت أسماء أصحابها أكثر مما حفظت وجوههم. هناك، في الحي العتيق من مدينة إربد، يبدو الجمال أكثر صفاءً، وكأن الزمن اختار أن يتوقف قليلًا احترامًا لذاكرة المكان.
كلما دخلت شارع الرشيد، شعرت أنني لا أعبر شارعًا، بل أعبر سيرة مدينة. الأشجار العتيقة التي تمد ظلالها على الأرصفة، والبيوت الحجرية ذات النوافذ الخشبية، والأبواب التي ودعت أجيالًا واستقبلت أجيالًا، جميعها تهمس بأن المدن العريقة لا تشيخ، بل تزداد وقارًا كلما ازدادت أعمارها.
وعندما أصل إلى شارع قريش، أشعر أن التاريخ يسبقني بخطوة. هنا لا يبدو الاسم مجرد لوحة على زاوية شارع، بل فصلًا من حكاية عربية وإسلامية ما زالت تنبض بالحياة. ومن شارع قريش تتفرع الشوارع التي تحمل أسماء الخلفاء الراشدين؛ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، في مشهد فريد يجعل شارع الرشيد كأنه جمعهم جميعًا في قلب مدينة إربد. وعند هذا التقاطع، شرقًا وغربًا، تتداخل الجغرافيا مع التاريخ في لوحة لا يمكن أن تمر عليها دون تأمل، وكأن المدينة أرادت أن تكتب تاريخها على لافتات شوارعها، لا في صفحات الكتب وحدها.
وفي ناصية الشارع الفاصل بين شوارع الخلفاء الأربعة، تقف مدرسة شرحبيل بن حسنة الابتدائية بهدوئها الذي يشبه هيبة المعلمين الأوائل. كلما وقفت أمامها أخذتني الدهشة، كأنني ألتقي طفولتي من جديد. هنا كانت مدرستي… وهنا تعلمت كيف أرتب الحروف الأولى من حكاية العشق؛ عشق الكلمة، وعشق المدينة، وعشق المكان الذي منحنا المعنى قبل أن يمنحنا المعرفة.
ومن مدرسة شرحبيل بن حسنة الابتدائية إلى مدرسة حمزة بن عبد المطلب الإعدادية، حيث اتسعت الأحلام وكبر الوعي، كانت الرحلة قصيرة في المسافة، لكنها بعيدة في أثرها. المدرستان تتمركزان بين شارع الرشيد وشارع قريش، وكأنهما بوابتان تعبران بالطالب من براءة الطفولة إلى رحابة المعرفة. بينهما حفظنا أسماء الشوارع كما حفظنا حروف الهجاء، وسرنا كل صباح ونحن نظن أننا ذاهبون إلى المدرسة، بينما كنا في الحقيقة نتعلم المدينة بكل ما فيها من تاريخ وجمال وانتماء.
في تلك الشوارع، كبرت أحلامنا قبل أعمارنا. كتبنا أسماءنا الأولى على دفاتر المدرسة، وحفظنا الأناشيد، وتشاركنا رغيف الصباح وضحكات الاستراحة، ولم نكن ندرك أن تلك التفاصيل الصغيرة ستصبح بعد سنوات أثمن ما نملكه من ذاكرة.
كل شيء يبدو اليوم أصغر مما كان، إلا الحنين… فهو وحده يكبر كلما عدنا.
في نيسان، تتدلى أغصان الياسمين فوق الأسوار، وتنساب رائحة زهر الليمون من حدائق البيوت، فتغدو الشوارع أكثر إشراقًا، ويغدو الضوء أكثر دفئًا، وكأن الربيع يعرف أن لهذا الحي موعدًا لا يتغير. يمر الناس على عجل، بينما يتوقف الزمن وحده. رجل يجلس أمام منزله يحيي المارة بابتسامة يعرفها الجميع، وامرأة تفتح نافذتها كل صباح، وأطفال يركضون كما كنا نركض قبل سنوات طويلة. وحدها الأمكنة الجميلة تعرف كيف تمنح الزمن فرصة أخرى.
وحين أغادر الحي، لا يغادرني. يبقى معلقًا في الذاكرة مثل فراشة في نيسان؛ خفيفًا، جميلًا، وعنيدًا في البقاء.
سيبقى شارع الرشيد، ومعه شارع قريش والشوارع التي حملت أسماء الخلفاء الراشدين، شاهدًا على ذاكرة مدينة عرفت كيف تصون تاريخها، وستبقى مدرستا شرحبيل بن حسنة وحمزة بن عبد المطلب محطتين لا تغيبان عن الذاكرة، لأنهما لم تكونا مجرد مدرستين، بل كانتا البداية الأولى لحكاية طويلة مع الحرف، والإنسان، والمكان.
ولهذا، كلما عدت إلى الحي العتيق، أيقنت أن بعض الأماكن لا نغادرها أبدًا، حتى وإن غادرناها. فهي تظل تسكن القلب، وتعود إلينا كل صيف… مثل فراشة في نيسان.
تذييل..
إربد ؛ مدينة شمال العاصمة الأردنية ؛تبعد عن طبريا في فلسطين المحتلة إلى الغرب الشمالي مسار 45 دقيقة.

