لندن: محمد الطّورة
الخصوصية الأمنية… حين تصبح الكلمة جزءًا من حماية الوطن
إلى أصحاب العطوفة رئيس هيئة الأركان المشتركة، ومدير المخابرات العامة، ومدير الأمن العام،
أتوجه بهذه الكلمة إلى حضراتكم تقديرًا للمسؤولية الوطنية الجسيمة التي تضطلعون بها في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره، وللدور الذي تؤدونه في ترسيخ قيم الانضباط والتحفظ داخل مؤسساتنا العسكرية والأمنية.
في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتتسع فيه دوائر النشر، وتتحول فيه التفاصيل الصغيرة إلى مادة متداولة خلال دقائق، لم تعد حماية الوطن مسؤولية محصورة في المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها. لقد أصبحت مسؤولية مجتمعية تشترك فيها الأسرة، والإعلام، ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، وكل من يملك القدرة على النشر أو إعادة النشر.
فالأمن لا يُصان فقط على الحدود، ولا يُحمى فقط عبر الجاهزية والتدريب واليقظة، بل يُصان كذلك بحسن التعامل مع المعلومة، وبفهم حدود ما يجوز تداوله وما ينبغي أن يبقى في إطار الخصوصية المؤسسية. فهناك فرق بين الاعتزاز بمن يخدم الوطن، وبين نشر تفاصيل قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها قد تكتسب حساسية مختلفة حين تُجمع وتُربط بمعلومات أخرى.
في مواسم الترفيعات والتعيينات والتكليفات، تفيض مشاعر الفخر والمحبة، وتنتشر رسائل التهنئة لأبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وهذه المشاعر نبيلة ومحل تقدير، لأنها تعكس مكانة هذه المؤسسات في وجدان الأردنيين، وتؤكد احترامهم لمن يحملون أمانة الدفاع عن الوطن وحماية أمنه. غير أن النية الطيبة لا تمنع أحيانًا وقوع أثر غير مقصود؛ إذ قد تتضمن بعض المنشورات رتبًا أو مواقع عمل أو طبيعة مهام أو تفاصيل وظيفية، يمكن أن تتحول، عند جمعها مع معلومات أخرى، إلى صورة لا تخدم المصلحة الوطنية ولا تراعي خصوصية العمل.
إن المعلومة ليست دائمًا خطرة بذاتها، لكنها قد تصبح كذلك في سياق مختلف. وما يبدو تفصيلًا بسيطًا لشخص قريب أو صديق قد يحمل قيمة كبيرة لمن يبحث عن الربط والتحليل والاستنتاج. لذلك، فإن التحفظ في النشر ليس مبالغة، وليس تقليلًا من قيمة الإنجاز، بل هو إدراك لطبيعة المسؤولية التي يحملها العاملون في المؤسسات العسكرية والأمنية.
ولا تعني الدعوة إلى الخصوصية الأمنية إلغاء التهنئة أو إخفاء مشاعر الفخر، بل تعني الارتقاء بأسلوب التعبير عنها. فالتهنئة الصادقة لا تحتاج إلى ذكر الموقع أو طبيعة المهمة أو المسار الوظيفي أو أي تفصيل مهني حساس. يكفي أن نقول: مبارك، نفتخر بك، ونسأل الله لك التوفيق في خدمة الوطن. فالمعنى الحقيقي للتقدير لا يكمن في كثرة التفاصيل، بل في احترام حدود ما يمكن نشره.
ومن المهم أن تكون هناك ضوابط رسمية واضحة تتعلق بالإعلان عن الترفيعات والتكليفات والمناصب داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، وأن يكون النشر محكومًا بما تقتضيه المصلحة العامة وتعليمات الجهات المختصة. كما أن هذه الثقافة يجب أن تمتد إلى محيط العاملين، من أسر وأصدقاء وزملاء، لأن حماية الخصوصية لا تتحقق بالتعليمات وحدها، بل بالوعي الجمعي والشعور المشترك بالمسؤولية.
وتزداد أهمية هذا الأمر في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لا تنتهي حياة المنشور بحذفه، ولا يبقى أثر الصورة ضمن دائرة محددة، ولا يمكن دائمًا التحكم في إعادة النشر أو الحفظ أو الاستخدام خارج سياقه. فالكلمة قد تنتقل أبعد مما نتوقع، والصورة قد تبقى أطول مما نتصور، والمعلومة قد تُستثمر بطريقة لا تخطر في بال من نشرها.
كما أن احترام الخصوصية الأمنية لا ينتهي بالتقاعد أو بانتهاء الخدمة. فبعض المواقع والمهام والتفاصيل الوظيفية السابقة قد تبقى ذات حساسية مهنية أو أمنية، وقد يكون الصمت عنها أبلغ من الحديث عنها. فالانتماء إلى مؤسسة وطنية سيادية لا ينتهي عند انتهاء الوظيفة، كما أن واجب احترام ما يتعلق بها لا يرتبط بمدة الخدمة وحدها.
إن أعظم تكريم لمن يخدم في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية هو أن نحمي خصوصية عمله، وأن نقدر تضحياته دون أن نكشف ما لا ينبغي كشفه، وأن نفهم أن الصمت في بعض المواضع ليس غيابًا للفخر، بل هو أعلى درجاته. فهناك رجال ونساء يعملون بصمت كي يبقى الوطن آمنًا، ومن الوفاء لهم أن نعرف متى نتحدث، ومتى نكتفي بالدعاء والتقدير.
إن الأمن مسؤولية مشتركة، وحماية المعلومة جزء من حماية الإنسان والمؤسسة والوطن. وكل منشور مسؤول، وكل كلمة محسوبة، وكل امتناع عن نشر تفصيل غير ضروري، قد يكون في جوهره موقفًا وطنيًا لا يقل أهمية عن أي واجب آخر.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وحفظ جيشه العربي المصطفوي وأجهزته الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.

