لندن: محمد الطّورة
حين تختل معايير الاختيار، وتتعقد سبل الإنتاج والاستثمار، يصبح الحديث عن الإصلاح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
لا تُبنى الدول بالفزعة، ولا تُدار بالتجارب، ولا يجوز أن تكون المناصب العامة حقلاً لاختبار الأشخاص ثم اكتشاف أخطائهم بعد أن يدفع الوطن ثمنها. فالدولة التي تحترم نفسها ومواطنيها لا تنتظر وقوع الكارثة كي تبدأ البحث عن أسبابها، بل تبني منظومة مؤسساتية تمنع وصول غير المؤهلين إلى مواقع القرار من الأساس.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: أين دور المؤسسات المعنية في التدقيق والبحث في ملفات كل من يترشح أو يُرشَّح لمنصب عام؟ وأين الفحص الحقيقي للسيرة المهنية، والسلوك الإداري، والذمة المالية، والعلاقات، والكفاءة، والقدرة على إدارة المسؤولية؟ أليس من الأجدى أن تتم هذه الخطوات قبل الموافقة على تعيين أي شخص في منصب حساس، بدءاً من رئيس الوزراء، مروراً بالوزير والمدير والسفير والمستشار، وصولاً إلى كل موقع يملك صاحبه سلطة على المال العام أو القرار أو سمعة البلاد؟
إن خطورة المنصب لا تقاس باللقب فقط، بل بما يمنحه من صلاحيات وتأثير. فالمسؤول غير الكفوء قد يبدد المال العام، ويعطل مصالح الناس، ويؤذي مؤسسات الدولة، ويشوّه صورة الوطن في الداخل والخارج. وعندما تظهر الحقائق بعد التعيين، وبعد أن تتراكم الشكاوى وتتعطل المشاريع وتنتشر شبهات الفساد، يصبح السؤال المؤلم: لماذا لم يتم التدقيق قبل أن يقع الفأس في الرأس؟
المفارقة أن بعض الجهات تطلب من المتقدم لوظيفة بسيطة، كحارس أو عامل خدمات، شهادة حسن سلوك، وتتحرى عن حياته وسلوكه وأحياناً عن أقاربه ومعارفه، رغم أن طبيعة عمله لا تمنحه سلطة واسعة ولا قدرة على التأثير في سمعة الدولة أو مواردها. بينما قد يصل شخص إلى منصب عام رفيع، يملك القرار والتوقيع والنفوذ، من دون أن يخضع للفحص ذاته بالجدية والعمق المطلوبين.
ولا تقف المفارقة عند حدود التعيينات العامة، بل تمتد إلى فضاء الاستثمار وإقامة المشاريع، ولا سيما الإعلامية والثقافية منها، حيث يتحول التدقيق في بعض الأحيان من أداة تنظيم وحماية إلى مسار طويل من الريبة والاستنزاف. فلا يقتصر الأمر على استكمال الوثائق والمتطلبات القانونية، بل قد يُستدعى صاحب المشروع ويُسأل عن معارفه وأصدقائه، ودوافع اختياره للمجال، وسبب تسمية مشروعه، والأشخاص الذين سيتعاونون معه، وخلفيات الفنيين والكتّاب والعاملين فيه.
ولا ينتهي الأمر عند صاحب الفكرة، إذ قد تمتد دائرة الاستدعاء إلى كل من يفكر في المشاركة أو التعاون معه في المشروع، فتُطرح عليهم أسئلة تضعهم في موضع الشبهة قبل أن يروا المشروع أو يحكموا على قيمته. ومع الوقت، لا يعود التردد نابعاً من تقييم مهني أو اقتصادي، بل من الخشية من التأويل، ومن أن يُقرأ التعاون بوصفه ارتباطاً بأجندة مجهولة أو محسوبة. وهكذا ينسحب بعض أصحاب الكفاءة، ويعتذر آخرون عن المشاركة، لا لأن المشروع يفتقر إلى الجدوى أو الرسالة، بل لأن بيئة الشك تجعل العمل فيه مخاطرة شخصية ومهنية.
وعندما تتحول الإجراءات إلى مناخ يطارد الفكرة قبل أن تولد، فإن الخسارة لا تقع على صاحب المشروع وحده، بل على البلد الذي يفقد فرصة استثمار، وفرص عمل، وصوتاً إعلامياً أو ثقافياً يمكن أن يخدم صورته ومصالحه.
من حق الدولة أن تنظّم الاستثمار وتحمي الأمن والمصلحة العامة، لكن من واجبها أيضاً أن تفرّق بين التدقيق المهني الضروري وبين التعقيد الذي يقتل المبادرات. فالنتيجة في كثير من الأحيان أن يتراجع المستثمر عن تنفيذ مشروعه داخل البلد، فتضيع فرص عمل، وتخسر الخزينة مورداً مالياً، ويخسر الوطن منصة يمكن أن تدافع عنه بالكلمة الصادقة، وتبرز إنجازاته، وتقدم صورته الحقيقية للعالم.
المطلوب ليس فتح الأبواب بلا ضوابط، ولا منح المناصب أو التراخيص بلا معايير. المطلوب هو العدالة في المعايير، والمنطق في الإجراءات، والوضوح في المسؤوليات. فمن يتقدم لمنصب عام يجب أن يخضع لتدقيق يوازي حجم السلطة التي سيحصل عليها، ومن يتقدم بمشروع منتج يجب أن يواجه إجراءات واضحة ومحددة وسريعة، لا متاهة من الشكوك والتعطيل.
إن إصلاح مسار الخطأ يبدأ من قاعدة بسيطة: التدقيق الحقيقي يكون قبل منح السلطة، لا بعد إساءة استخدامها. والكفاءة والنزاهة ليستا شعارات ترفع عند الأزمات، بل شروطاً يجب التحقق منها قبل التعيين. أما المشاريع التي تحمل قيمة اقتصادية أو إعلامية أو ثقافية، فيجب أن تُعامل بوصفها فرصة للوطن لا عبئاً عليه.
الدول القوية لا تخاف من المؤسسات، ولا تعتمد على المجاملات، ولا تنتظر الفضيحة كي تتحرك. إنها تختار بعناية، وتراقب باستمرار، وتحاسب بعدل، وتفتح الطريق أمام الكفاءات والمبادرات. عندها فقط يمكن أن نقول إننا نُصلح المسار، ونحمي الوطن، ونضع كل شخص في المكان الذي يستحقه.

