ليست الغربة دائمًا ابتعادًا عن الوطن، فثمة أوطان تسكن الإنسان أينما ذهب. ومن هذا الشعور الذي رافقني طوال سنوات عملي في خدمة الأردن، أكتب هذه الكلمات بصفتي مواطن أردني محب للوطن وقيادته الهاشمية، وأحد أبناء الشوبك ،المقيم في المملكة المتحدة.
سيدي صاحب الجلالة
لقد تشرفت لإكثر من ثلاثة عقود بالعمل موظفاً في السفارة الأردنية في كلٍّ من لندن وواشنطن ،مديرًا للمراسم والتشريفات تلك السنوات الطويلة التي أتاحة لي الفرصة مقابلة عدد من أبناء الأسرة الهاشمية من الأمراء والأميرات وأبنائهم عن قرب، في مناسبات رسمية وإنسانية مختلفة. وللأمانة والتاريخ، فإن أكثر ما بقي حاضرًا في الذاكرة، ليس فقط ما لمسته شخصيًا وعرفته عن تواضع جلالتكم وأخلاق الهاشميين، بل أيضًا ما كنت أسمعه باستمرار من موظفين أجانب وعرب يعملون في المطارات والفنادق والمؤسسات الرسمية، من كلمات إعجاب واحترام تجاه بساطة التعامل الإنساني التي عُرفت بها الأسرة الهاشمية منذ مرحلة حكم المغفور له بإذن الله تعالى جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله وحتى هذه الأيام التي توليتم فيها جلالتكم عرش المملكة ، وهو ما جعل صورتكم جميعاً قريبة من الناس على الدوام.
ومن هذا الإيمان العميق بالأردن، وبالحكمة الهاشمية التي عرفناها نحن الأردنيون عبر عقود طويلة، أكتب هذه الكلمات إلى جلالتكم، لا بدافع السياسة، بل بدافع إنساني ووطني خالص، إيمانًا مني بأن الأوطان الكبيرة تزداد قوة حين تنتصر فيها الحكمة على المسافات، وحين يصبح الصفح وسيلةً لحماية البيت الواحد لا مجرد موقف عابر.
ففي المحطات التي تتعانق فيها رمزية الوطن مع روح الإيمان، لا تعود المناسبات مجرد تواريخ عابرة، بل تتحول إلى لحظات مراجعة هادئة لمعنى الدولة، ومعنى القيادة، ومعنى القدرة على تجاوز ما يجب ألّا يبقى معلقًا في ذاكرة الناس طويلًا. ومع احتفالنا كالأردنيين بـ عيد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية الثمانين الذي رعاه جلالتكم هذا اليوم، واستقبال عيد الأضحى المبارك بعد غداً، يعود الحديث، بصوتٍ خافت لكنه عميق، عن قيمة الصفح حين يصدر عن دولةٍ واثقة بنفسها، وعن قائدٍ بحجم جلالتكم يدرك أن الاحتواء أحيانًا أكثر أثرًا من أي انتصارٍ آخر.
سيدي صاحب الجلالة
كثيرون يترددون في مخاطبة الملوك والقادة والرؤساء بشكلٍ مباشر، ويفضلون أن تصل كلماتهم عبر القنوات الرسمية أو من خلال المحيطين بصاحب القرار، خشية أن تُفهم الرسائل خارج سياقها أو أن تقف البروتوكولات حاجزًا بينها وبين من وُجهت إليه. لكنني، يا جلالة الملك، آثرت أن أخاطبكم بهذه الكلمات بصورةٍ مباشرة، لأن ما عرفناه عن جلالتكم طوال السنوات الماضية أنكم كنتم دائمًا أقرب إلى نبض الناس من تعقيدات البروتوكول، وأكثر انشغالًا بجوهر قضايا الوطن من المظاهر المحيطة بها، خصوصًا حين يتعلق الأمر بما يمس وحدة الأردنيين وطمأنينة البيت الداخلي.
سيدي صاحب الجلالة
لم يكن الأردن يومًا دولة قامت على الغلبة، بل على التوازن. ولم تكن قوة الهاشميين في تاريخهم نابعة من الصرامة وحدها، بل من قدرتهم الدائمة على حماية الفكرة الأهم: بقاء البيت الداخلي متماسكًا مهما تعاقبت الظروف وتعقدت اللحظات. ولهذا بقي الأردنيون ينظرون إلى الأسرة الهاشمية باعتبارها أكثر من إطارٍ دستوري للحكم؛ فهي، في الوعي الجمعي، الضامن المعنوي لوحدة البلاد وطمأنينة الناس، والعنوان الذي تلتقي عنده المشاعر الوطنية قبل الحسابات السياسية.
ومن هنا، فإن أي مسافة داخل هذا البيت، حتى وإن بدت عابرة أو قابلة للاحتواء، تترك أثرًا صامتًا في وجدان الأردنيين، ليس لأن الناس تبحث عن التفاصيل، بل لأنها تخشى أن تتحول المسافات الصغيرة مع الوقت إلى مساحةٍ يستثمر فيها المتربصون، أولئك الذين لا يرون في تماسك الأردن مصلحة لهم، ويترقبون دائمًا أي لحظة صمت أو فتور ليبنوا عليها رواياتهم وتأويلاتهم.
لقد أثبت التاريخ، يا سيدي، أن الدول الراسخة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل بقدرتها على إنهاء آثارها النفسية والمعنوية قبل أن تتحول إلى ذاكرةٍ قابلة للاستدعاء في أي وقت وأي مناسبة. وهذا ما أدركه القادة الكبار عبر العصور، وفي مقدمتهم سيدنا محمد ﷺ، الذي لم يكن انتصاره الحقيقي في فتح مكة عسكريًا بقدر ما كان أخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا. فعندما امتلك القدرة على الرد، اختار أن يفتح باب العفو، لا لأن الموقف كان خاليًا من الجراح، بل لأن بناء المستقبل كان أهم من البقاء داخل ظلال الماضي.
كما أن الرسول ﷺ أدرك مبكرًا أن صيانة الجماعة مقدمة على كل شيء، ولذلك كان إصلاح ذات البين عنده فعلًا يؤسس للاستقرار، لا مجرد قيمة أخلاقية مجردة. فالدول والمجتمعات لا تُستنزف فقط بالصراعات الكبرى، بل أحيانًا بما يبقى معلقًا في النفوس دون معالجةٍ حكيمة في الوقت المناسب.
واليوم، نتطلع جميعاً كأردنيين إلى مبادراتٍ من لدن جلالتكم تحمل هذا المعنى العميق؛ مبادرات لا تُقرأ باعتبارها تنازلًا، بل بوصفها تعبيرًا عن ثقة الدولة بنفسها، وثقة القيادة بأن البيت الواحد لا تُترك داخله المسافات مفتوحة أكثر مما ينبغي. كما يتطلع الناس إلى أن تمتد هذه الروح الإنسانية لتشمل بعض أبناء الوطن الذين زلت بهم الظروف أو أخطأوا الطريق دون أن يكونوا من أصحاب الجرائم الكبرى، لأن الدولة القوية هي تلك التي تعرف كيف تفتح باب العودة لمن يستحق فرصةً جديدة، دون أن تمس هيبة القانون أو أمن المجتمع.
سيدي جلالة الملك،
إن أكثر ما يحتاجه الناس في هذه المرحلة ليس سوى الإشارات الحكيمة التي تُعيد الطمأنينة إلى الوجدان العام، وتؤكد أن الأردن، الذي تجاوز أزماتٍ أكبر عبر تاريخه، ما زال قادرًا على ترميم أي مساحة صمت داخل بيته الداخلي بحكمة الدولة لا بردود الفعل.
“وقد علّمتنا التجربة، يا جلالة الملك، أن المبادرات الإنسانية الصادقة تبقى أطول عمرًا في ذاكرة الشعوب من كثيرٍ من الأحداث السياسية. وكنتُ شخصياً شاهدًا على واحدةٍ من تلك اللحظات التي عاد فيها أحد أبناء الوطن إلى أهله بتوجيه كريم ومباشر من جلالتكم، فعاد محمولًا بمحبة الناس ودعوات الأمهات، في صورةٍ اختصرت معنى الدولة حين تجتمع فيها الهيبة مع الرحمة، والقوة مع إنسانية القائد.”
ولعلّ أكثر ما يليق بهذه المناسبات الوطنية والدينية، أن يشعر الأردنيون بأن وطنهم لا يزال يُدار بعقل الدولة الكبيرة وروح الأب، وأن الحكمة، حين تختار أن تنتصر، لا تفعل ذلك لمصلحة أشخاص، بل لحماية صورة الوطن من أن تصبح مادةً مفتوحة للتأويل أو الاستثمار أو العبث.
فالأوطان القوية ليست تلك التي لا تمرّ بلحظات حساسة، بل تلك التي تعرف كيف تُغلقها في الوقت المناسب، قبل أن تتحول إلى رواياتٍ يكتبها الآخرون بدلًا من أن يحسمها أهل البيت الواحد بروح الحكمة والمسؤولية.
وفي الختام، يبقى الرجاء أن يحفظ الله الأردن آمنًا مطمئنًا، وأن يديم على الوطن نعمة الاستقرار ووحدة الصف، وأن يحفظ جلالتكم ، ويمتعكم بموفور الصحة والعافية، ويبارك في سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ليبقى الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وطنًا يتسع بالمحبة والحكمة لجميع أبنائه، وعنوانًا للرحمة والاعتدال والتماسك في زمنٍ تشتد فيه العواصف.