لندن: محمد الطّورة
قبل أن أبدأ هذا الحديث، أجد من الواجب عليّ التأكيد أن ما أكتبه هنا لا يأتي بقصد الانتقاص من قدرات أحد أو الإساءة إلى أي شخص أو مؤسسة. كما أنه ليس محاولة لتوجيه اللوم أو توزيع المسؤوليات أو التشهير بأي شخص أو مؤسسة، بقدر ما هو تعبير عن حرص مواطن أردني يعيش في الغربة على صورة وطنه وسمعته، وهي صورة نعتز بها جميعًا ونسعى إلى الحفاظ عليها في الداخل والخارج.
فالأردن بالنسبة لأبنائه، أينما كانوا، ليس مجرد حدود جغرافية أو وثيقة سفر، بل هو هوية وانتماء وقصة نجاح تراكمت عبر عقود من العمل الجاد والاحترام الذي اكتسبته مؤسساته في أعين مواطنيه وأمام العالم.
ليست المشكلة في الخطأ حين يقع، فالدول تُدار بالبشر، والبشر يخطئون. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الخطأ انعكاسًا لحالة من التراخي أو ضعف المتابعة، وعندما تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مؤشرات تثير التساؤل حول مستوى الانتباه والمسؤولية داخل بعض المؤسسات.
هذا الشعور انتاب كثيرين وهم يتابعون حدثين أثارا استياء الأردنيين داخل الوطن وخارجه خلال الأيام الماضية. الأول ما حدث في أحد السفارت الأردنية خلال احتفال رسمي بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين، حيث ظهر العلم الأردني بصورة خاطئة لا تليق برمز سيادي يمثل تاريخ الدولة وهيبتها. أما الحدث الثاني، فكان في أحد الوزارات، حين اختيرت لغة لا تنسجم مع روح الخطاب المؤسسي في مخاطبة المواطنين بشأن قضية رمي النفايات، وهي قضية نتفق جميعًا على أهمية معالجتها والتوعية بمخاطرها، لكن الاختلاف كان في الأسلوب وطريقة إيصال الرسالة.
في الحالتين، لم يكن الأمر مجرد خطأ بروتوكولي هنا أو منشور غير موفق هناك، بل بدا وكأنه تراجع عن نهج إداري عُرفت به مؤسسات الدولة الأردنية على مدى سنوات طويلة؛ نهج يقوم على الانتباه للتفاصيل، واحترام المواطن، وإدراك أن صورة الدولة تُبنى من التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبيرة.
لقد عرفت مؤسساتنا في مراحل كثيرة من تاريخها نماذج إدارية كانت تدرك أن رفع العلم ليس إجراءً شكليًا، وأن مخاطبة المواطن ليست مجرد كلمات تُكتب على منصات التواصل، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تعكس ثقافة المؤسسة واحترامها للناس. وكانت تلك النماذج تؤمن بأن هيبة الدولة لا تُصنع بالمسميات والمناصب، وإنما بالالتزام والانضباط وحسن الأداء واحترام الإنسان.
إن الدول لا تُقاس فقط بقراراتها الكبرى وإنجازاتها الاستراتيجية، بل أيضًا بطريقة إدارتها لتفاصيلها اليومية، لأن تلك التفاصيل هي التي تصنع الانطباع الأول والأخير لدى الناس. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة ثقافة المسؤولية والانتباه والمراجعة، لا بدافع الحنين إلى الماضي، بل حفاظًا على صورة وطن يستحق منا جميعًا أن نصونه من أي إساءة أو استهتار، مهما بدا بسيطًا.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعمل المتقن، واحترام المواطن، وصون الرموز الوطنية، والحرص الدائم على أن تبقى مؤسسات الدولة على مستوى الثقة التي يضعها الناس فيها. وعندما نحافظ على هذه القيم، فإننا لا نحمي سمعة مؤسسة أو مسؤول، بل نحمي صورة الأردن نفسه، وهي مسؤولية مشتركة لا يملك أحد حق التفريط بها.

