لندن: محمد الطّورة
ليست المرة الأولى التي يخرج فيها بعض النواب عبر الشاشات أو منصات التواصل الاجتماعي مطلقين تصريحات صاخبة عن فسادٍ هنا، وصفقاتٍ هناك، ودعمٍ مالي يُمنح لهذا أو ذاك، وكأن الدولة الأردنية بأكملها تقف على حافة الانهيار الأخلاقي والإداري. لكن الأخطر من التصريحات ذاتها، هو ذلك العبث غير المسؤول بثقة الناس، وتحويل أخطر القضايا الوطنية إلى مادة للاستهلاك الإعلامي والمزايدات السياسية الرخيصة.
فالفساد، إن وُجد، ليس مادة للبطولات الوهمية أمام الكاميرات، ولا وسيلة لحصد التصفيق والشعبية، بل جريمة وطنية تستوجب التوجه مباشرة إلى القضاء وهيئات الرقابة والأجهزة المختصة، مدعومة بالأدلة والوثائق لا بالشعارات والانفعالات والخطب النارية.
والمثير للاستغراب أن بعض من يرفعون اليوم راية “كشف الفساد” هم أنفسهم يمتلكون الحصانة والصلاحيات والمنابر الدستورية التي تخولهم مخاطبة الدولة وجهاً لوجه، لا عبر رسائل مبطنة وتصريحات فضفاضة تُطلق في الهواء ثم تُترك للرأي العام كي يبني عليها أحكامه وقناعاته. فهل أصبحت بعض المنابر الإعلامية بديلاً عن مؤسسات الدولة؟ وهل تحولت قضايا الوطن إلى ساحات استعراض سياسي مفتوح؟
إن الكلمة الصادرة عن نائب أو مسؤول لا تُحسب كأي كلام عابر، لأنها تحمل وزناً سياسياً ومعنوياً خطيراً، وأي اتهام غير موثق لا يسيء فقط إلى أشخاص أو حكومات، بل يضرب صورة الدولة وهيبتها وثقة المواطن بمؤسساته، ويمنح خصوم الوطن مادة مجانية للطعن والتشكيك والإساءة.
الأردن، الذي صمد في وجه العواصف والمؤامرات والأزمات، لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الضجيج والشعبوية، بل إلى رجال دولة يدركون أن حماية الوطن تبدأ من احترام مؤسساته، وأن مكافحة الفساد لا تكون بالصراخ أمام الكاميرات، وإنما بوضع الملفات فوق مكاتب القضاء، ليقول القانون كلمته بعيداً عن الاستعراض والمزايدات.
إن الحديث عن الفساد مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية، لا يجوز التعامل معها بخفة أو استخدامها كورقة ضغط أو وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية. فحين يخرج نائب أو مسؤول ليتحدث عن شبهات فساد أو تدخلات أو امتيازات مشبوهة، فإن الرأي العام يتعامل مع حديثه باعتباره حقيقة تستند إلى معلومات دقيقة، لا مجرد انطباعات أو مواقف سياسية عابرة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
ذلك أن إطلاق الاتهامات دون تقديم الأدلة لا يفتح الباب فقط أمام الفوضى الإعلامية، بل يزرع الشك داخل المجتمع، ويُضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة كافة، ويمنح صورة قاتمة عن الأردن في الداخل والخارج، خاصة في ظل عالم مفتوح تتناقل فيه الأخبار والتصريحات خلال لحظات، دون تدقيق أو تمحيص.
ومن المؤسف أن بعض التصريحات التي تُطلق تحت قبة البرلمان أو عبر وسائل الإعلام باتت أقرب إلى “القنابل الصوتية” التي تحدث ضجيجاً كبيراً، ثم تختفي دون نتائج أو ملفات أو محاسبات، وكأن الغاية منها تسجيل موقف إعلامي أو تصدر العناوين، لا الوصول إلى الحقيقة أو حماية المال العام.
إن الدولة التي تحترم نفسها لا يمكن أن تسمح بأن تبقى الاتهامات الخطيرة معلقة في الهواء. فإما أن تكون تلك التصريحات مدعومة بالوثائق والأدلة، وعندها يجب فتح الملفات فوراً ومحاسبة كل متورط مهما كان موقعه، وإما أن تكون مجرد ادعاءات تفتقر إلى الإثبات، وهنا يصبح من واجب القانون أن يتدخل لحماية سمعة الدولة ومؤسساتها من العبث والإساءة والتشويه.
ومن هنا، فإننا في العموم نيوز ومن موقعنا الإعلامي الصادر من لندن، نطالب الحكومة الأردنية والأجهزة الرقابية والقضائية بالتعامل بمنتهى الجدية مع كل تصريح يتضمن اتهامات أو معلومات تتعلق بالفساد أو إساءة استخدام السلطة، وذلك من خلال استدعاء مطلقي هذه التصريحات والاستماع إليهم رسمياً، ومطالبتهم بتقديم ما لديهم من وثائق وإثباتات تؤكد صحة ما يطرحونه أمام الرأي العام.
كما نؤكد أن أي مسؤول أو نائب يطرح اتهامات تمس مؤسسات الدولة ثم يعجز عن تقديم الدليل أو يمتنع عن التعاون مع الجهات المختصة، يجب أن يُحال إلى القضاء ليقول كلمته الفصل، لأن هيبة الدولة ليست تفصيلاً هامشياً، ولأن الكلمة التي تُقال على الملأ يجب أن تكون بمستوى المسؤولية الوطنية والقانونية.
وقد يسأل البعض: لماذا يحرص موقع إخباري أردني يصدر من الخارج على الخوض في هذا الملف والمطالبة بمثل هذه الإجراءات؟
والجواب أن الانتماء للوطن لا تحده الجغرافيا، بل تعززه المسؤولية الوطنية والشعور بالخطر على صورة الدولة وسمعتها. فنحن نتابع، من موقعنا في لندن، كل ما يُثار حول الأردن، ونرصد كيف يتفاعل المتابعون داخل المملكة وخارجها مع تلك التصريحات، وندرك تماماً حجم الضرر الذي قد يلحق بصورة الأردن عندما تتحول الاتهامات غير الموثقة إلى مادة يومية تتداولها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
إن الأردن لم يكن يوماً دولة هشة أو بلا مؤسسات، بل دولة قانون استطاعت، رغم التحديات الإقليمية والاقتصادية والسياسية، أن تحافظ على استقرارها وهيبتها ومكانتها. ومن الواجب اليوم على الجميع، مسؤولين ونواباً وإعلاميين، أن يدركوا أن معركة الإصلاح ومحاربة الفساد لا تُخاض عبر الشعبوية والصخب الإعلامي، بل عبر المؤسسات الدستورية والقانونية التي وُجدت لحماية الدولة والناس معاً.
فالأوطان لا تُبنى بالشائعات، ولا تُدار بالعناوين المثيرة، بل تُحمى بالحقيقة، ويصونها القانون، وتحرسها المسؤولية الوطنية الصادقة.

