يشهد التعليم العالي في الأردن خلال العقود الأخيرة توسعًا كبيرًا من حيث عدد الجامعات والطلبة والبرامج الأكاديمية، أي بين التوسع الكمي وإشكالية الحوكمة وجودة المخرجات، وهو توسع يعكس في ظاهره نجاحًا في تعميم الوصول إلى التعليم. لكن هذا التوسع الكمي لم يُترجم دائمًا إلى تطور نوعي موازٍ في جودة المخرجات أو في قدرة النظام التعليمي على الاستجابة لمتطلبات التنمية وسوق العمل.
تشير مؤشرات دولية مثل مؤشر رأس المال البشري (Human Capital Index) الصادر عن البنك الدولي (World Bank) إلى أن ارتفاع نسب الالتحاق بالتعليم لا يرتبط تلقائيًا بارتفاع العائد الاقتصادي من التعليم، وهو ما يضع العديد من الأنظمة التعليمية أمام تحدٍ جوهري يتمثل في تحويل التعليم من “إتاحة” إلى “إنتاج فعلي للمهارات والمعرفة”.
وفي تصنيفات الجامعات العالمية مثل تصنيفات QS World University Rankings وTimes Higher Education، يظهر تفاوت واضح في أداء الجامعات الأردنية، حيث يتركز التحدي بشكل أساسي في مجالات البحث العلمي، والإنتاج المعرفي، والقدرة على المنافسة الدولية، أكثر من كونه مرتبطًا فقط بالبنية التعليمية أو عدد المؤسسات.
في السياق الأردني، يمكن ملاحظة أن النظام الجامعي يمتلك نقاط قوة مهمة، أبرزها انتشار التعليم العالي وتنوع تخصصاته، إلا أنه في المقابل يواجه تحديات تتعلق بجودة الحوكمة الأكاديمية، وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات، ومدى استقلالية المسارات الأكاديمية عن الضغوط الإدارية والاجتماعية، إضافة إلى التفاوت في جودة البرامج بين المؤسسات المختلفة.
هذه التحديات لا يمكن اختزالها في حالات فردية، بل تعكس طبيعة بنيوية للنظام التعليمي، تتعلق بكيفية إدارة الجامعات، وبالعلاقة بين المؤسسة الأكاديمية والمجتمع، وبمدى قدرة هذا النظام على إنتاج معرفة قابلة للتحويل إلى قيمة اقتصادية ومهنية.
كما أن هناك فجوة واضحة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، حيث يزداد عدد الخريجين في تخصصات متعددة، بينما لا تنعكس هذه الزيادة بشكل متوازن على فرص التشغيل أو على مستويات الإنتاجية، وهو ما يشير إلى حاجة لإعادة النظر في فلسفة الربط بين التعليم والتنمية.
إن تطوير التعليم العالي لا يمكن أن يتحقق عبر التوسع الكمي فقط، بل يتطلب إعادة بناء منظومة الحوكمة الأكاديمية بحيث تكون الكفاءة العلمية والبحث والابتكار هي المرجعية الأساسية في التقييم واتخاذ القرار، مع تعزيز استقلالية المؤسسات التعليمية وربطها بشكل أكثر فاعلية بالاقتصاد والمجتمع.
في النهاية، يبقى التعليم مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، وأي إصلاح حقيقي فيه يبدأ من الانتقال من نموذج التعليم كخدمة إلى نموذج التعليم كإنتاج معرفة، ومن التركيز على الإتاحة إلى التركيز على الجودة والأثر.

