في عمّان القديمة، لا أحد يمرّ عابرًا تمامًا.
حتى الغرباء يتركون شيئًا من أرواحهم على أدراجها الحجرية، ثم يمضون وهم يشعرون أن المدينة تعرف أسماءهم منذ زمن.
هاآنذا أجلس على شرفة مقهى “كوكب الشرق”، قبالة المسجد الحسيني الكبير، أراقب المدينة وهي تتدفق كالنهر؛
وجوهٌ تأتي، ووجوهٌ ترحل،
وأصوات تختلط ببعضها حتى تصبح نشيدًا خافتًا للحياة.
في الأسفل، كان السوق يفتح ذراعيه للجميع؛
للفقراء الذين يبحثون عن يومٍ أقل قسوة،
وللعشاق الذين يسرقون لحظة دفء وسط الزحام،
وللعابرين الذين أنهكتهم الحياة فوجدوا في وسط البلد شيئًا يشبه الطمأنينة القديمة.
رائحة القهوة، وصوت الباعة، ونداءات أصحاب البسطات، وأغنية قديمة لأم كلثوم تتسلل من مذياعٍ متعب…
كل ذلك كان يجعل المكان يبدو كأنه خارج الزمن.
عمّان القديمة لا تُشبه المدن الحديثة التي تتزين كثيرًا وتقول القليل.
هنا، كل شيء حقيقي حدّ الوجع.
حتى التعب يبدو صادقًا.
شخصيًا، لا تستهويني الأمكنة الراقية.
أخشى دابوق قليلًا…
أشعر أن الصمت هناك مرتب أكثر مما ينبغي، وأن الوجوه تضع مسافاتٍ بينها وبين الحياة.
أما أنا، فعندي فائضٌ من المحبة لمحيط رغدان…
هناك، حيث يطلّ القصر الملكي على شرفات نوافذ الفقراء،
وحيث تبدو عمّان أكثر صدقًا وأعمق انتماءً.
في تلك المنطقة تحديدًا، تشعر أن الوطن ليس خطاباتٍ طويلة، بل رغيف خبز ساخن، وسلامًا عابرًا بين رجلين لا يعرف أحدهما الآخر، وضوءًا خافتًا يتسلل من نافذة بيتٍ قديم في الليل.
هناك، قرب رغدان والحسيني وسقف السيل، لا تتفاخر المدينة بثروتها…
بل بتاريخها وناسها وروائحها القديمة.
أراقب رجلًا سبعينيًا يجرّ عربة صغيرة محمّلة بالخضار.
يتوقف كل بضعة أمتار ليلتقط أنفاسه، ثم يكمل طريقه بإصرارٍ يشبه إصرار البلاد نفسها على البقاء.
وبالقرب من المسجد الحسيني، كان طفل يبيع العلكة يمرّ بين الطاولات بخطواتٍ سريعة، كأنه يخشى أن يسبقه الجوع إلى البيت.
قال لرجل يجلس قرب النافذة:
“عمّو… ساعدني الله يخليك.”
رفع الرجل رأسه، نظر إليه طويلًا، ثم أخرج بعض النقود دون أن يتحدث.
الغريب أن الطفل ابتسم للرجل كأنه هو من قدّم المساعدة، لا العكس.
في عمّان القديمة، الفقراء يتقنون الكرامة بطريقة مدهشة.
على الطاولة المجاورة، جلس رجل خمسيني يقرأ صحيفة قديمة.
لم يكن يقرأ فعلًا…
كان يهرب من العالم خلف الورق.
تأملت وجهه الذي حفرت السنوات فيه أخاديد واضحة.
بدا كأنه موظف حكومي قضى عمره يطارد الراتب حتى انتهى الراتب وبقي التعب.
كم يشبه هذا الرجل آلاف الأردنيين الذين يمشون كل صباح وهم يحملون البلاد فوق أكتافهم دون ضجيج.
في زاوية أخرى من المقهى، كان شاب يضحك بصوت مرتفع مع أصدقائه، بينما يخبئ في جيبه هاتفًا مكسور الشاشة وحلمًا مؤجلًا بالسفر.
حتى الأحلام هنا متعبة.
لكنها لا تموت.
هذا أكثر ما أحبه في عمّان القديمة؛
أن الناس فيها، رغم كل شيء، ما زالوا يحتفظون بقدرتهم على الحلم.
بائع الأحذية المستعملة قرب درج السينما كان ينادي بحماسٍ غريب:
“أحذية… كأنها جديدة!”
مرّ رجل نحيل، جرّب حذاءً أسود، مشى به خطوات قصيرة، ثم أعاده بحزن.
وقبل أن يرحل، قال له البائع:
“خذهم… وادفع وقت ما ربك يفرجها.”
ضحك الرجل بخجل ومضى.
لحظتها شعرت أن المدن الفقيرة أحيانًا تكون أكثر إنسانية من المدن الثرية.
هنا، لا يملك الناس الكثير…
لكنهم يتقاسمون الخسارات، والخبز، والقلق، وحتى الدعوات الصغيرة.
رفعت بصري نحو الحمام الذي كان يحوم فوق مئذنة المسجد الحسيني.
بدا حرًا بصورة تستفز البشر في الأسفل.
وفكرت كم يبدو الإنسان هشًا وسط هذه المدينة؛
يركض طوال عمره خلف لقمة العيش، ثم يكتشف متأخرًا أن ما كان يحتاجه حقًا هو بعض الطمأنينة.
الشمس بدأت تميل نحو الغروب، وواجهات المحال القديمة اكتست بلونٍ نحاسي حزين.
أم كلثوم كانت تغني:
“لسه فاكر…”
بينما كانت عمّان تبدو كامرأةٍ تعبت كثيرًا لكنها ترفض الانكسار.
أشعلت سيجارة أخرى، وأخذت أراقب الزحام يتكاثر حول الحسيني.
شاب يحمل أكياسًا ثقيلة،
امرأة تبحث عن أجرة السرفيس في حقيبتها،
عامل نظافة يكنس الشارع بصبر ناسك،
ورجل وحيد يشرب الشاي واقفًا كأنه ينتظر أحدًا لن يأتي.
حينها فقط أدركت أن المدن لا يبنيها الأثرياء كما نظن،
بل أولئك البسطاء الذين يستيقظون كل صباح رغم التعب، ويواصلون السير.
أصحاب البسطات،
باعة الكعك،
عمّال المخابز،
السائقون،
والنساء اللواتي يعدن آخر النهار بحقائب ممتلئة بالإرهاق.
هؤلاء هم الذاكرة الحقيقية لعمان.
ومن على شرفة “كوكب الشرق”،
بدت المدينة كلها كقلبٍ كبير يتعب… لكنه لا يتوقف عن النبض.
عمّان التي أعرفها ليست الأبراج العالية، ولا المقاهي الفاخرة، ولا الشوارع اللامعة بعد المطر.
عمّان الحقيقية هي تلك التي تجلس الآن تحت نافذتي؛
تحتسي الشاي الثقيل،
وتخفي وجعها بابتسامة،
وتحلم بوطنٍ أقل قسوة.
هنا فقط…
أشعر أن الإنسان ما زال يشبه الإنسان.

