لم يعد إدراج الأردن ضمن الحسابات الإيرانية حدثاً يمكن التعامل معه باعتباره تطوراً معزولاً، بل بات يعكس انتقالاً لمرحلة جديدة بمسار المواجهة الإقليمية، قد تتسع وتتعمّق خلال الأسابيع المقبلة مع سعي طهران لتعويض خسائرها الإستراتيجية في عدد من الساحات وإعادة توزيع أدوات الضغط التي اعتمدت عليها خلال السنوات الماضية.
تنظر إيران، منذ سنوات، إلى نشر الفوضى وعدم الاستقرار باعتباره أحد المرتكزات الأساسية في عقيدتها الإستراتيجية. ومع تراجع هامش حركتها في الخليج نتيجة ارتفاع مستوى الردع وتعاظم الوجود العسكري الغربي، باتت تركز بصورة أكبر على دول مثل البحرين والكويت، انطلاقاً من تقديرها بأنّ أيّ إعادة انتشار أو تقليص للوجود العسكري الأميركي بالخليج سيدفع واشنطن لتعزيز حضورها في الأردن بوصفه نقطة ارتكاز أكثر أمناً.
من هذا المنطلق، يصبح الأردن هدفاً طبيعياً بالحسابات الإيرانية، ليس فقط باعتباره شريكاً إستراتيجياً رئيساً للولايات المتحدة، وإنما أيضاً بسبب موقعه الجغرافي المحوري بمعادلة الأمن الإقليمي، وامتلاكه أطول حدود برية مع إسرائيل.
لا يعني ذلك أن الأردن تحول لمركز لوجستي للهجمات الأميركية ضد إيران، فالمسألة في الرؤية الإيرانية تتجاوز الوجود العسكري الأميركي. إذ إن محاولات استهداف الأردن سبقت هذه التطورات عبر شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، واستثمار الساحتين السورية والعراقية، بما يؤكد أن استهدافه يندرج ضمن إستراتيجية أوسع تستهدف الجغرافيا ذات القيمة الإستراتيجية للولايات المتحدة.
كما تابعت طهران المشهد الداخلي الأردني منذ اندلاع الحرب في غزة، ما يفسر تصاعد خطابها السياسي والإعلامي الموجه للداخل الأردني، في محاولة لاختبار قدرة الدولة على الصمود، وإظهار قدرتها على التأثير باستقرار دولة محورية في الإقليم.
ويبقى التحدي الأردني الأهم داخلياً، إذ يفتح استمرار الفراغ في الخطاب الوطني المجال أمام أطراف إقليمية لمحاولة التأثير بالرأي العام. لذلك، فإن تطوير رواية وطنية قادرة على التواصل مع الداخل، وتعزيز الشعور بالهوية الوطنية، بات جزءاً أساسياً من حماية الجبهة الداخلية.
ومع تراجع فعالية ما عُرف بـ”وحدة الساحات”، واحتواء معظم الجبهات التي اعتمدت عليها إيران سابقا، قد ترى طهران أن فتح ساحات جديدة يمثل الخيار الأكثر واقعية لاستعادة قدرتها على الردع السياسي. وفي هذا الإطار، يبرز الأردن باعتباره إحدى الساحات التي يمكن استخدامها لإرباك البيئة الأمنية الإقليمية وتعويض التراجع المتوالي لجبهات النفوذ الإيراني.
ولا يقتصر هذا التحول على الأردن، بل يمتد لإعادة توزيع أدوات الضغط الإيرانية بالإقليم. وفي هذا السياق، تبدو جبهة الحوثيين مرشحة لاستعادة دورها عبر تهديد الملاحة الدولية بالبحر الأحمر وإعادة توجيه الضغوط نحو السعودية ودول الخليج. وتشير المؤشرات إلى أن الحرس الثوري الإيراني عمل خلال الأسابيع الماضية على إعادة تفعيل هذه الجبهة، بعد تراجع قدرة جبهتي لبنان وسورية على خدمة إستراتيجية التصعيد الإيرانية.
أما في العراق، فقد يستمر الاعتماد على كيانات مسلحة غير تقليدية لتنفيذ عمليات محدودة تمنح طهران هامشاً من الإنكار السياسي، مع الإبقاء على الضفة الغربية كإحدى الساحات المحتملة لإحياء ما تبقى من فكرة “وحدة الساحات”. إلا أن توسيع دائرة الفوضى يظل الهدف المشترك الذي يربط بين هذه الجبهات.
لكن في المقابل، يصعب تصور أن المجتمع الدولي سيقبل باستمرار تهديد الملاحة الدولية أو تكريس منطق القرصنة البحرية. فمثل هذه التحركات قد تمنح إيران أوراق ضغط مؤقتة، لكنها قد تصبح أيضاً عاملاً لإعادة بناء تحالف دولي أكثر تماسكاً. ومع بوادر التحول بالموقف البريطاني واقترابه من الرؤية الأميركية، ووجود تحالفات بحرية قائمة بالفعل، تبدو أوروبا مرشحة للانتقال تدريجياً لدور أكثر فاعلية بحماية أمن البحر الأحمر والخليج.
لذلك، فإن الأسابيع المقبلة مرشحة لأن تشهد مرحلة جديدة من التصعيد الإيراني، عنوانها توسيع نطاق الفوضى الإقليمية، ومحاولة الضغط على دول الخليج، وتقويض الاستقرار بالأردن، وفتح ساحات توتر جديدة تشكل عبئاً أمنياً وسياسياً على المنطقة وحلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.

