لندن: محمد الطّورة
حتى لا أكون شاهد زور
“رسالة إلى صحاب القرار حول مخاطر محاولة البعض حجب الحقيقة وصناعة الفجوة بينه وبين الشعب
أدرك تماماً أنني بهذا المقال قد أكون فتحت على نفسي “عش الدبابير”، وربما أغضبت أشخاصاً أو جهات ومؤسسات رأت في هذه الكلمات مساساً بممارسات اعتادت عليها أو بمواقع نفوذ بنتها عبر السنوات. لكنني على يقين أن فتح عش دبابير صغير اليوم، مهما كانت لسعاته مؤلمة، أهون بكثير من تجاهل ممارسات قد تتحول مع الزمن إلى أعشاش أكبر وأخطر، لا تهدد أشخاصاً بعينهم، بل قد تضر وطناً بأكمله.
ما أكتبه ليس تصفية حسابات، ولا سعياً وراء شعبية أو إثارة، بل هو صرخة مواطن يحب وطنه ويخشى عليه. فالأوطان لا تُهددها الحقائق التي تُقال بصراحة، وإنما يهددها الصمت عن الأخطاء، والتغاضي عن التجاوزات، والخوف من مواجهة الواقع كما هو.
ولأن الأردن أكبر من الأشخاص والمناصب والمصالح، ولأن الحفاظ على استقراره مسؤولية جماعية، فإن المصارحة تصبح واجباً وطنياً، حتى وإن كانت مكلفة. فسكوت العقلاء خوفاً من ردود الفعل، أو مجاملة لأصحاب النفوذ، قد يفتح أبواباً من الأزمات لا يمكن إغلاقها بسهولة لاحقاً.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الكلمات؛ ليس لمهاجمة أحد، وإنما لدق ناقوس الخطر قبل أن يصبح قرع الأجراس بلا جدوى.
ليست كل الأخطار التي تهدد الدول تأتي من الخارج، وليست كل الأزمات تبدأ من الشارع. أحياناً يبدأ الخطر من داخل المكاتب المغلقة، ومن الأشخاص الذين يحيطون بالقائد أو بصانع القرار على اعتبار أن مهمتهم ليست نقل الحقيقة كما هي، بل رسم صورة وردية للواقع وإخفاء ما لا يرغب المسؤول في سماعه.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي قيادة هو الاعتقاد بأن الصمت الشعبي يعني الرضا، وأن التقارير المرفوعة إليها من بعض المؤسسات والأشخاص تعكس حقيقة ما يجري في الشارع. فبين الواقع وما يصل إلى أصحاب القرار قد تقف طبقة من المنتفعين والمتملقين وأصحاب المصالح، ممن جعلوا من قربهم من مراكز النفوذ وسيلة لحماية مواقعهم ومكاسبهم، ولو كان الثمن تضليل المسؤول وإبعاده عن نبض الناس.
المشكلة لا تكمن فقط في سوء الإدارة أو ضعف الكفاءة، بل في أولئك الذين يحتكرون المعلومة ويقدمونها بصورة انتقائية، فينقلون ما يرضي ولا ينقلون ما يقلق، ويبرزون النجاحات ويخفون الإخفاقات، ويعتبرون النقد تهديداً، بينما هو في الحقيقة صمام أمان للدولة وقائدها ومؤسساتها.
التاريخ الحديث والقديم يقدم عشرات الأمثلة على أن الأنظمة لا تضعف عادة بسبب خصومها بقدر ما تضعف بسبب الأخطاء المتراكمة لمن يعملون باسمها. فكثير من المسؤولين الذين يسيئون معاملة المواطنين، أو يتصرفون بغرور واستعلاء، أو يستغلون مواقعهم لتحقيق مصالح خاصة، لا يدركون أنهم لا يسيئون إلى أنفسهم فقط، بل يسيئون إلى صورة الدولة كلها، ويزرعون مشاعر الغضب والنقمة في نفوس الناس.
وما يزيد خطورة الأمر أن بعض هؤلاء يعتقدون أن قربهم من مراكز القرار يمنحهم حصانة غير مكتوبة، فيتمادون في ممارساتهم دون خوف من محاسبة أو مساءلة. وهنا تبدأ الثقة بالتآكل، ويبدأ المواطن بالشعور بأن صوته لا يصل، وأن معاناته لا تجد من يسمعها، وأن هناك من يتحدث باسمه دون أن يعيش واقعه.
لقد أثبتت الأحداث في أكثر من دولة أن تجاهل المؤشرات المبكرة للتذمر الشعبي خطأ فادح. فالنقمة لا تولد بين ليلة وضحاها، وإنما تتراكم نتيجة قرارات خاطئة، وسلوكيات مستفزة، وشعور متزايد بالظلم أو غياب العدالة أو انعدام المساءلة. وعندما تستمر هذه العوامل لفترة طويلة، فإنها تخلق فجوة خطيرة بين الدولة والمجتمع.
إن المسؤول الحكيم ليس من يسمع المديح فقط، بل من يبحث عن النقد الصادق. وليس من يحيط نفسه بمن يوافقونه الرأي دائماً، بل بمن يملكون الشجاعة لإخباره بالحقيقة مهما كانت صعبة. فالحقيقة المؤلمة اليوم أقل كلفة من أزمة كبيرة غداً.
ومن واقع تجربة شخصية، وأنا أعيش في بريطانيا منذ سنوات، لفت انتباهي أن صاحب القرار الأول هناك لا ينتظر معرفة رأي الناس أو تقييمهم للأوضاع من خلال دائرة ضيقة من المحيطين به، بل يعتمد على تعدد مصادر المعرفة والمعلومات. فوسائل الإعلام، بمختلف توجهاتها، واستطلاعات الرأي، والنقاشات العامة، ومنظمات المجتمع المدني، كلها تشكل أدوات لقياس نبض الشارع ومعرفة حقيقة ما يفكر به الناس. ولذلك تكون القرارات في كثير من الأحيان أقرب إلى الموضوعية لأنها تُبنى على قراءة واسعة للواقع، لا على رواية جهة واحدة أو مجموعة محدودة من الأشخاص.
ومن هنا، فإن دق ناقوس الخطر ليس تشاؤماً ولا تشكيكاً، بل واجب وطني. فالدول القوية هي التي تراجع نفسها باستمرار، وتحاسب المقصرين، وتفتح أبوابها لصوت المواطن، وتدرك أن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها المسؤول لقيادته هي نقل الواقع كما هو، لا كما يرغب أن يراه الآخرون.
فعلى سبيل المثال الأردن واجه تحديات كبيرة عبر تاريخه، واستطاع تجاوزها بحكمة قيادته ووعي شعبه. لكن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب يقظة دائمة تجاه كل من يسيء استخدام موقعه أو نفوذه، وكل من يحاول صناعة جدار عازل بين القيادة والناس.
فالأوطان لا تهتز بسبب الحقيقة، بل بسبب إخفائها. ولا تضعف بسبب النقد الصادق، بل بسبب استمرار الأخطاء دون تصحيح. وبين القائد والشعب يجب ألا يكون هناك حاجز من المصالح أو التملق أو تضليل الواقع، لأن ثمن ذلك تدفعه الدولة بأكملها.
وما أحوجنا اليوم إلى مسؤولين ينقلون الحقيقة كما هي، لا كما يريد أصحاب النفوذ أن تكون، وإلى ثقافة تقوم على المصارحة والمحاسبة والشفافية، لأن بقاء الدولة قوية ومتماسكة يبدأ دائماً من صدق من يخدمونها قبل أي شيء آخر.
حمى الله الأردن، وحفظه آمناً مستقراً، وأدام عليه نعمة الأمن والحكمة، وجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

