لندن: محمد الطّورة
ذكرى رحيل الفريق أول فيصل جبريل الطّورة الشوبكي.. الرجال يرحلون، أما القيم التي جسدوها فتبقى أمانة في أعناق الأجيال.
قبل أن أكتب عن الأخ وابن العم المرحوم الفريق أول “فيصل جبريل الطّورة الشوبكي” في الذكرى السادسة لرحيله، أجد من الواجب أن أوضح أن الغاية من هذه الكلمات ليست الإطراء ولا التمجيد، فالرجل اليوم في رحاب الله، ولا يحتاج وهو في باطن الأرض إلى شهادة أو ثناء من أحد. فما عند الله خير وأبقى، وما قدمه في حياته من عمل وإخلاص هو الشاهد الحقيقي على مسيرته.
إن الكتابة عن قامة وطنية بحجم الباشا أبو فادي ليست محاولة لإضافة شيء إلى رصيده، فذلك الرصيد صنعه بنفسه خلال سنوات طويلة من الخدمة والعطاء، وإنما هي شهادة حق للتاريخ، ورسالة للأجيال الجديدة، ولكل من يتولى مسؤولية عامة أو يشغل موقعاً من المواقع التي شغلها الراحل، بأن الوطن يبنى برجال يؤمنون بالعمل أكثر من الكلام، وبالإنجاز أكثر من الظهور، وبالمؤسسة أكثر من الأشخاص.
وحين نستذكر أمثال الباشا أبو فادي ، فإننا لا نستحضر المناصب التي تقلدها بقدر ما نستحضر القيم التي مثلها؛ قيم المهنية والانضباط والتواضع والإخلاص والوفاء للوطن والقيادة. فهذه النماذج الوطنية تستحق أن تُروى سيرتها لا من أجل أصحابها الذين انتقلوا إلى جوار ربهم، بل من أجل الذين ما زالوا فوق هذه الأرض، يحملون مسؤولية خدمة الأردن والحفاظ على مؤسساته ومواصلة مسيرة العطاء والبناء.
وهكذا تمر الأعوام وتبقى ذكرى الرجال الكبار حاضرة في وجدان الوطن وأبنائه، لأنهم لا يُقاسون بعدد السنين التي عاشوها، بل بما قدموه من عطاء وما تركوه من أثر وبصمة في خدمة وطنهم وقيادتهم وشعبهم. وفي ذكرى وفاة الأخ وابن العم المرحوم الفريق أول فيصل جبريل الطّورة الشوبكي، نستذكر أحد أبرز رجالات الدولة الأردنية الذين جسدوا معاني الإخلاص والانتماء والوفاء في مسيرة وطنية امتدت لعقود في العمل الأمني والدبلوماسي.
أتذكر أنني بعد وفاة الباشا بأيام كنت قد ألتقيت في واشنطن أحد رجال السياسية العرب، وما إن علم أنني أردني من الشوبك ومن عشيرة الطّورة التي ينتمي إليها الباشا أبو فادي، حتى قال عبارة قصيرة في كلماتها عظيمة في معناها: “الفريق أول الباشا فيصل الطورة الشوبكي… رحل مبكراً”. ثم أخذ يتحدث بإسهاب عن شخصيته القيادية ومهنيته العالية وحضوره اللافت، مؤكداً أن رحيله وهو في أوج عطائه شكّل خسارة للوطن الذي كان وما زال بحاجة إلى أمثال هذه القامات الوطنية.
نعم، رحل صاحب الحضور المميز والشخصية القوية الباشا أبو فادي عن هذه الدنيا مبكراً، لكن الرجال من أمثاله لا يغيبون. فالكبار خالدون بأعمالهم ومواقفهم وسيرتهم الطيبة، وقد تفتقدهم الأماكن وتغيب أصواتهم عن مسامعنا، لكن أثرهم يبقى حاضراً في المؤسسات التي خدموها، وفي ذاكرة الوطن الذي أحبوه وأخلصوا له، وفي قلوب من عرفوهم وعملوا معهم.
لقد كان الباشا أبو فادي واحداً من الرجال الذين صنعوا مسيرتهم المهنية بالعمل الجاد والتفاني والإخلاص. فقد تدرج في جهاز المخابرات العامة الأردنية خطوة خطوة، وخدم في مختلف المواقع والمسؤوليات حتى وصل بتكليف من جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أعلى هرم المسؤولية مديراً للمخابرات العامة. ولم يكن وصوله إلى هذا الموقع الرفيع مجرد منصب، بل كان تتويجاً لمسيرة مهنية طويلة جعلته خبيراً بكل تفاصيل العمل الأمني والاستخباري، ومدركاً لتحدياته ومتطلباته، وقادراً على التعامل معها بكفاءة واقتدار.
وقد استحق عن جدارة أن يوصف بأنه مدرسة في العمل الاستخباري؛ مدرسة قامت على المهنية والانضباط والولاء المطلق للوطن والقيادة الهاشمية. فقد كان يؤمن بأن قوة الدولة تكمن في قوة مؤسساتها، وأن نجاح المسؤول يقاس بقدرته على خدمة الوطن لا بالظهور الإعلامي أو السعي وراء الأضواء. لذلك عرف عنه العمل بصمت، والإنجاز بعيداً عن الضجيج، فلم يكن يوماً ممن يزاحمون الآخرين في أعمالهم أو يقفزون على صلاحيات المؤسسات الأخرى، بل كان حريصاً على احترام الأدوار وتعزيز العمل المؤسسي والتكامل بين أجهزة الدولة كافة.
كما كان يؤمن بأن المواطن هو الغاية الأولى لكل جهد وطني، وكان يوجه العاملين معه دائماً إلى ضرورة التعامل مع الناس بمهنية واحترام وإنسانية، والتسهيل عليهم في شؤون حياتهم ما أمكن. وكان يرى أن الأجهزة الأمنية وجدت لحماية الوطن وخدمة أبنائه، وأن قوة الدولة لا تنفصل عن ثقة المواطن بمؤسساتها. وهو نهج انسجم مع الرؤية الملكية السامية التي أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للمؤسسات الوطنية، لتكون قريبة من المواطن، حامية لأمنه، وخادمة لمصالحه.
ولم تتوقف مسيرته الوطنية عند حدود العمل الأمني، بل استمرت في ميادين أخرى من خدمة الأردن. فعندما شرفه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بتعيينه سفيراً للمملكة الأردنية الهاشمية لدى المملكة المغربية الشقيقة، كان ذلك امتداداً طبيعياً لمسيرته الحافلة بالعطاء. فقد حمل رسالة الأردن بكل أمانة واقتدار، وعمل على تعزيز العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين، مواصلاً خدمة الوطن والقيادة الهاشمية بالحكمة والإخلاص نفسيهما اللذين عُرف بهما طوال حياته العملية.
واليوم، ونحن نستذكر هذا القائد الوطني الكبير في ذكرى رحيله، فإننا لا نستذكر المناصب التي شغلها فحسب، بل نستذكر النهج الذي آمن به ورسخه خلال سنوات خدمته الطويلة؛ نهج المهنية والاعتدال والعمل المؤسسي واحترام الإنسان وخدمة الوطن بإخلاص وتجرد. وهي قيم نأمل أن تبقى حاضرة ومتجذرة في مسيرة هذه المؤسسة الوطنية العريقة التي نفتخر بها وبمنتسبيها، وأن يستمر النهج الذي أسهم الباشا فيصل ورفاقه في ترسيخ دعائمه، وهو ما نلمسه ونثق باستمراره بإذن الله، وفاءً لرسالتها الوطنية ووفاءً للرجال الذين خدموا الأردن بإخلاص وشرف.
وفي هذه الذكرى العطرة، نستذكر نحن أبناء الأردن بكل فخر واعتزاز سيرة رجل نذر حياته من أجل الوطن، وخدم جلالة الملك والوطن في مختلف مواقع المسؤولية بكل أمانة وشرف، وترك إرثاً من المهنية والالتزام والوفاء سيبقى محل تقدير واحترام للأجيال القادمة.
رحم الله فقيدنا الكبير الباشا أبو فادي وأدخله جنات النعيم.

