لندن: محمد الطّورة
منذ عقود، والشرق الأوسط يتحرك على إيقاع الأزمات. تنتهي مواجهة لتبدأ أخرى، وتهدأ جبهة لتشتعل جبهة جديدة. وبين الحرب والسِّلم، لم تعد المنطقة تعرف الاستقرار، بل تعيش حالةً مزمنة من التوتر، حتى أصبح الاستثناء هو الهدوء، وأصبح التصعيد هو القاعدة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز المواجهة الأمريكية–الإيرانية بوصفها أحد أهم محركات الأحداث. فالمفاوضات لم تتوقف، كما لم تتوقف العقوبات، والوساطات لم تنقطع، كما لم تنقطع التهديدات. كلما اقتربت الأطراف من طاولة الحوار، عادت التطورات السياسية أو الأمنية لتدفع الجميع إلى مربع التصعيد من جديد. وكأن المنطقة أصبحت تدور في حلقة مفرغة، لا يُراد لها أن تصل إلى نهاية واضحة.
المفارقة أن كثرة الوسطاء لم تنتج سلامًا، وكثرة الاجتماعات لم تُنهِ الخلافات، بل بدا أن إدارة الأزمة أصبحت أكثر حضورًا من حلها. فالتفاهمات المؤقتة لا تلبث أن تتراجع، والتهدئة لا تكاد تستقر حتى تعود لغة القوة لتفرض نفسها، لتبقى المنطقة معلقة بين حرب لا تقع بالكامل، وسلام لا يكتمل أبدًا.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل فشلت الدبلوماسية، أم أن هناك من يرى في استمرار الأزمة مصلحة سياسية واستراتيجية؟
قد يكون من الصعب تقديم إجابة واحدة، لأن المصالح متشابكة، والفاعلين كثر، لكن المؤكد أن الشعوب ليست المستفيد. فهي التي تدفع فاتورة الحروب، وتتحمل أعباء العقوبات، وتعيش قلق المستقبل، بينما تتراجع التنمية وتتآكل فرص الاستقرار.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن استمرار التوتر يحقق مكاسب متفاوتة لبعض الأطراف. فهناك من يعزز نفوذه السياسي، ومن يرسخ حضوره العسكري، ومن يرى في استمرار الأزمات وسيلة للحفاظ على توازنات إقليمية أو دولية، أو لاحتواء خصومه وإبقائهم في حالة استنزاف دائم. وهذه المصالح قد تتقاطع أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى، لكنها تسهم في إطالة عمر الأزمة.
إن أخطر ما في المشهد ليس احتمال اندلاع حرب شاملة، بل الاعتياد على حالة “اللاحرب واللاسلم”، حيث يصبح التوتر جزءًا من الحياة اليومية، وتتحول الأزمات إلى واقع دائم، وتتراجع فرص الحلول السياسية مع مرور الوقت.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب قد تُسقط أنظمة، أو تغيّر موازين قوى، لكنها لا تصنع سلامًا مستدامًا. فكل حرب تترك وراءها جراحًا أعمق من أن تلتئم بوقف إطلاق النار، وكل صراع مؤجل يحمل في داخله بذور صراع جديد.
إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من البيانات العسكرية، ولا إلى سباقات جديدة في التسلح، بقدر حاجتها إلى إرادة سياسية تعترف بأن أمن أي دولة لا يمكن أن يقوم على استمرار خوف جيرانها، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى على الحوار، والاحترام المتبادل، ومعالجة جذور النزاعات.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط لعقود قادمة: هل سيظل هذا الإقليم ساحةً لإدارة الصراعات الدولية والإقليمية، أم يمتلك أبناؤه يومًا القدرة على صناعة سلام يخدم مصالح شعوبه قبل مصالح الآخرين؟
فقد تُغيّر الحروب خرائط السياسة، لكنها لا تبني الأوطان. وقد يربح بعض اللاعبين جولةً هنا أو هناك، لكن الشعوب وحدها هي التي تخسر كل الجولات. وعندما يصبح السلام هدفًا مؤجلًا، فإن الجميع، عاجلًا أم آجلًا، سيدفع ثمن استمرار الحرب، حتى وإن لم يشارك فيها.

