عَمان: محمد الطورة
مع مرور السنوات وتراكم التجارب، يصبح الإنسان أكثر قدرة على قراءة ما وراء الكلمات، ليس من باب سوء الظن، وإنما من واقع الخبرة التي علمته أن ظاهر الكلام ليس دائمًا هو كامل الحقيقة.
وبعد أن شارفت على العقد السابع من العمر، وبعد رحلة طويلة في مجال العمل العام وما رافقها من تجارب ومواقف، أصبحت أدرك بسهولة أكبر الغاية التي قد تقف وراء بعض العبارات التي تُقال، وبعض النصائح التي تُقدَّم، خصوصًا عندما تأتي في إطار الحرص على المصلحة أو الحماية أو حسن النية.
فليست كل كلمة حق تُقال ابتغاءً للحق، ولا كل نصيحة تُقدَّم تحت عنوان المصلحة تكون بالضرورة لمصلحة من تُوجَّه إليه.
قد يبدأ الأمر بكلمات مطمئنة من قبيل: «هذا لمصلحتك، ونحن نريد حمايتك، وما نقوم به هو مجرد إجراء قانوني». فيطمئن الشخص، ويتعامل مع الأمر على أساس حسن النية، ثم يجد نفسه لاحقًا أمام سلسلة من الإجراءات والتفسيرات والاشتراطات التي لم تكن واضحة له منذ البداية.
وهنا تكمن الخطورة؛ إذ قد يتحول ما بدا في ظاهره حمايةً إلى مسار تعجيزي، ويصبح ما قُدّم للشخص باعتباره لمصلحته مدخلًا إلى التضييق عليه أو محاصرته، وربما إلى اتخاذ إجراءات بحقه أو بحق المؤسسة التي يديرها، وكل ذلك تحت عناوين قانونية تبدو في ظاهرها سليمة.
ولا يعني ذلك أن القانون هو المشكلة، أو أن كل من يعمل في مؤسسات الدولة يتعمد سوء النية. فالقانون ضرورة لتنظيم المجتمع وحماية الحقوق والمصلحة العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القانون غطاءً لاستخدام السلطة بطريقة تتجاوز الغاية التي وُضع من أجلها، أو عندما تُستخدم الثقة وحسن النية للوصول إلى نتيجة لم تكن واضحة للشخص منذ البداية.
إن حسن النية قيمة لا ينبغي أن تتحول إلى نقطة ضعف، والثقة لا ينبغي أن تكون مدخلًا إلى الإطباق على الإنسان. كما أن احترام مؤسسات الدولة لا يتعارض مع التساؤل عن بعض الإجراءات أو عن الطريقة التي تُفسَّر وتُطبَّق بها النصوص.
فالمصلحة الحقيقية لا تخشى الوضوح، والإجراء السليم لا يحتاج إلى إخفاء آثاره، والقانون العادل لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتعجيز الإنسان أو محاصرته.
وقد تكون الكلمة في ظاهرها حقًا، وقد يكون النص قانونًا، لكن العبرة ليست بالكلمات وحدها، وإنما بالغاية التي تُستخدم من أجلها، وبالنتيجة التي تنتهي إليها.
ولهذا أقول، من واقع ما علمتني إياه سنوات العمر وتجارب العمل العام: ليس المطلوب أن نشك في كل كلمة، أو أن نفسر كل إجراء بسوء النية، وإنما المطلوب أن نكون أكثر وعيًا، وأن نقرأ ما بين السطور، وأن نسأل دائمًا عن الغاية والنتيجة، لا عن ظاهر الكلام وحده.
فقد تبدأ الحكاية باستدراجٍ تحت غطاء المصلحة، ثم تنتهي بإطباقٍ تحت غطاء القانون.
وخلف الأكمة ما خلفها.