لندن: محمد الطّورة
ثمانية وأربعون عامًا من الغربة… وأشياء لا يعوضها الزمن
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
قضيت من عمري ما يقارب ثمانية وأربعين عامًا مغتربًا عن أرض الوطن، متنقلًا بين مسؤوليات الحياة والعمل من دولة إلى آخرى، بينما كانت السنوات تمضي سريعًا فوق وجوه والديّ وأهلي دون أن أشعر كيف سرقني الزمن بهدوء.
كنت أظن دائمًا أن هناك وقتًا طويلًا أمامنا، وأنني سأعوض لاحقًا كل غياب فرضته الغربة والانشغال، لكن الإنسان يكتشف مع مرور العمر أن بعض اللحظات لا يمكن استعادتها، وأن الوالدين لا ينتظران من أبنائهما الكثير… فقط بعض القرب، والاهتمام، والكلمة الطيبة، والشعور بأنهما ليسا وحدهما في مواجهة الشيخوخة وضعف الجسد.
رحم الله والدي…
قبل عامين انتقل إلى رحمة الله تعالى والدي الحبيب، ومن فضل الله عليّ أنني كنت حينها في الأردن، فشاركت في دفنه وتقبّل العزاء فيه هنا في الأردن وفي لندن مكان إقامتي. ومنذ ذلك اليوم أدركت أن الإنسان، مهما انشغل في حياته، يبقى يحمل داخله حسرة كل لحظة كان يستطيع أن يقضيها مع والديه ولم يفعل.
أما والدتي الغالية، فقد أثقلت الشيخوخة جسدها، وأصبحت تعاني من ضعف الحركة وعدم التوازن أثناء المشي. وقبل أشهر تعرضت لسقطة تسببت بكسر في ساقها، وكنت حينها في لندن. اتصل بي أخي الحبيب جمال وأخبرني بما حدث، وأنه سيتم إجراء عملية لها في مستشفى الأمير هاشم في العقبة.
في تلك اللحظات يشعر الإنسان أن المسافات أقسى من أي شيء آخر، وأن العالم كله لا يساوي شيئًا أمام مثل هذه الظروف.
تحركت فورًا إلى مطار هيثرو، واستقللت أول رحلة متجهة إلى العقبة عبر عمّان، وكل ما كنت أتمناه أن أصل قبل دخولها غرفة العمليات. وبفضل الله وصلت واطمأن قلبي عندما رأيتها بخير.
وقبل أيام علمت أن بعض الأدوية التي تحتاجها والدتي غير متوفر في الأردن، لكنه موجود في دولة أخرى، فسافرت مباشرة لإحضاره، وها أنا أعود بالطائرة حاملًا ذلك الدواء، وأنا أردد طوال الطريق: مهما فعل الأبناء، هل يستطيعون فعلًا أن يردّوا شيئًا من جميل والديهم؟
ولعل ما دفعني لكتابة هذه الكلمات هو أنني أتحدث من واقع تجربة إنسان عاش معظم عمره في الغربة، واختبر ذلك الشعور المؤلم حين يكون بعيدًا عن والديه بينما يكبران عامًا بعد عام، يراهما عبر المكالمات والصور والزيارات القصيرة. فالغربة قد تمنح الإنسان أشياء كثيرة، لكنها في المقابل تأخذ منه لحظات لا تُعوّض مع والديه وأهله.
وأود أن أوضح أيضًا أنني لا أكتب هذه الكلمات وكأنني أقدّم نفسي نموذجًا استثنائيًا، فهناك أبناء وبنات حولنا قدّموا لوالديهم من الرعاية والتضحية والصبر الكثير الكثير، وبعضهم أفنى سنوات عمره كاملة في خدمتهم بمحبة وصمت دون أن ينتظر كلمة شكر أو تقدير. وما قمت به هو واجب طبيعي يمليه الدين والضمير والمحبة، وهو أقل بكثير مما يستحقه الوالدان منا.
وفي هذا المقام ولا يفوتني أن أتوجه بكل المحبة والامتنان والشكر لأخي الحبيب جمال، ولأخواتي الغاليات، الذين حملوا جميعاً العبء الأكبر في رعاية والدينا خلال سنوات المرض والشيخوخة، وبذلوا جهدًا عظيمًا وعطاءً صادقًا خفف عن والدَيّ وطأة تلك الأمراض اللعينة، وجعلهم يعيشون حياة أقرب ما تكون إلى الطبيعية رغم قسوة التعب والمعاناة.
لقد كانوا السند الحقيقي، والحضور اليومي، والقلوب التي لم تعرف التعب أو الملل، فجزاهم الله عني وعن والدَيّ خير الجزاء، وكتب ما قدموه في ميزان حسناتهم، فمهما قيل في حقهم فلن يوفيهم قدرهم ولا جميل صنيعهم.
أكتب عن هذا الموضوع المهم لأنني أدركت شيئًا مهمًا جدًا…
أن كثيرًا من الناس لا يشعرون بقيمة والديهما الحقيقية إلا عندما يضعف الجسد، أو يغيب الصوت، أو يصبح المكان فارغًا إلى الأبد.
وتذكّروا دائمًا أننا مهما كنا اليوم أقوياء ومشغولين وممتلئين بالحياة، فإن الزمن لا يستثني أحدًا. سيأتي يوم — إن مدّ الله في أعمارنا — نضعف فيه كما ضعفوا، وتثقل خطواتنا كما تثقلت خطواتهم، ونحتاج فيه إلى من يصبر علينا، ويمسك بأيدينا، ويمنحنا بعضًا من الحنان الذي منحناه يومًا لغيرنا. حينها فقط سيدرك الإنسان معنى انتظار الوالدين، وحاجتهما للكلمة الطيبة والاهتمام والرحمة.
لذلك أقول لكل من يقرأ كلماتي، سواء كان داخل الوطن أو خارجه:
لا تؤجلوا البر.
اتصلوا بوالديكم دون مناسبة.
اجلسوا معهم أكثر.
استمعوا إلى أحاديثهم مهما تكررت.
تحمّلوا ضعفهم وتغيّر مزاجهم، فهما يعيشان مرحلة يعود فيها الإنسان طفلًا يحتاج للحب والاحتواء.
فالوقت يمضي أسرع مما نتخيل، وحين يرحل الوالدان، لا يبقى للإنسان سوى الدعاء والذكريات، وراحة ضمير… أو وجع ندم لا يزول.
اللهم احفظ أمهاتنا وآباءنا، وارحم من رحل منهم، وأعنّا على برّهم أحياءً وأمواتًا.

