لندن: محمد الطّورة
في عالمٍ مزدحم بالأخبار والعناوين والتقارير العاجلة، لم يعد التأثير الحقيقي مرهونًا بعدد ساعات البث أو حجم الإنفاق الإعلامي، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الصورة على صناعة الاهتمام، وقدرة الشخص الذي يظهر فيها على جذب الناس وتحريك الرأي العام. فهناك أخبار تمر مرورًا عاديًا مهما كانت أهميتها، وهناك صورة واحدة فقط قادرة على إشغال الشارع، وفتح النقاشات، وجعل الناس تتحدث عنها لساعات وأيام، لأنها تحمل شخصية تمتلك الحضور والكاريزما والتأثير.
لقد تغيّر مفهوم الإعلام كثيرًا. ففي السابق كانت المؤسسات الإعلامية تعتمد على قوة المنبر، أما اليوم فأصبحت قوة التأثير مرتبطة بالشخص القادر على الوصول إلى الناس بعفوية وصدق وقبول جماهيري. ولهذا لم يعد مستغربًا أن تحقق صورة لشخصية مؤثرة ما لا تحققه حملات إعلامية كاملة أُنفقت عليها مبالغ طائلة دون أن تترك الأثر المطلوب.
الصورة اليوم لم تعد مجرد لقطة توثيقية، بل أصبحت رسالة متكاملة تحمل أبعادًا سياسية وإعلامية واجتماعية. فبمجرد ظهور شخصية تمتلك الحضور في مكانٍ ما، يتحول ذلك المكان إلى محور اهتمام، ويتحوّل الحدث البسيط إلى مادة للنقاش والتداول، ليس لأن الحدث استثنائي، بل لأن الشخصية التي ظهرت فيه تمتلك القدرة على لفت الانتباه وصناعة التفاعل.
ولعل ما حدث مع زيارة الإعلامي الأستاذ نايف الطورة لإحدى المحطات الإعلامية مثال واضح على ذلك. فالزيارة لم تكن مؤتمرًا دوليًا، ولا إعلانًا سياسيًا كبيرًا، ومع ذلك أصبحت حديث الناس، وتداول الشارع اسم تلك المحطة بشكل واسع، وبدأ كثيرون يتساءلون عنها ويتابعون محتواها فقط لأن شخصية تمتلك حضورًا جماهيريًا ظهرت فيها. وهنا تتجلى حقيقة مهمة جدًا، وهي أن بعض الأشخاص أصبحوا بحد ذاتهم “وسيلة إعلام” تمتلك تأثيرًا يفوق أحيانًا تأثير المؤسسات التقليدية.
إن الجماهير بطبيعتها لا تتفاعل مع الشعارات بقدر تفاعلها مع الشخصيات التي تشعر بقربها منها. فالناس تنجذب إلى الوجوه التي تحمل المصداقية والحضور والثقة، ولهذا فإن صورة واحدة لشخصية مؤثرة قد تكون أقوى من عشرات التقارير والبرامج والخطط التسويقية. لأن التأثير الحقيقي لا يُفرض على الناس، بل يُبنى من خلال القبول والثقة والتأثير المتراكم عبر الزمن.
ومن هنا، فإن الدول والمؤسسات التي تبحث عن إيصال رسائلها بصورة واضحة وفعالة، مطالبة اليوم بإعادة النظر في أدواتها الإعلامية. فالعالم تغيّر، والجمهور لم يعد يتلقى الرسائل بالطريقة التقليدية نفسها، بل أصبح أكثر ارتباطًا بالشخصيات المؤثرة القادرة على مخاطبته بلغة بسيطة وقريبة منه. لذلك فإن الاستفادة من أصحاب الحضور والكاريزما لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة ضمن أدوات القوة الناعمة الحديثة.
إن كثيرًا من دول العالم أصبحت تعتمد على الشخصيات المؤثرة في الترويج لمشاريعها الوطنية ورسائلها السياسية والاقتصادية، لأنها تدرك أن الوصول إلى الناس لا يحتاج دائمًا إلى مؤسسات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى شخص يمتلك القدرة على التأثير والإقناع وتحريك الرأي العام. فحين يظهر شخص مؤثر في مكانٍ ما، فإنه لا يروّج لنفسه فقط، بل يمنح المكان قيمة إضافية، ويخلق حوله حالة من الاهتمام والفضول والمتابعة.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة لن يكون على كثرة المنصات الإعلامية، بل على حسن اختيار الشخصيات القادرة على تمثيل الرسالة الوطنية بصورة ذكية ومؤثرة. لأن بعض الأشخاص عندما يظهرون… يتحدث الجميع، وعندما يزورون مكانًا… يصبح ذلك المكان حديث الشارع، وعندما يلتقطون صورة… تصل الرسالة أسرع من أي خبر وأقوى من أي حملة إعلامية.
فالصورة قد تكون لحظة عابرة، لكنها أحيانًا تصنع تأثيرًا يبقى طويلًا في ذاكرة الناس… وهذا هو الإعلام الحقيقي الذي يصل إلى الجمهور دون ضجيج.

