كتب المحرر الإقتصادي.
تشهد المجتمعات العالمية الحديثة، ومنها المجتمع الأردني، تصاعدًا ملحوظًا في ثقافة الاستهلاك، حيث باتت المظاهر المادية تلعب دورًا كبيرًا في تقييم الأفراد اجتماعيًا، بغضّ النظر عن حقيقة أوضاعهم الاقتصادية. ويزداد هذا الأمر إشكالية في ظل شحّ الإمكانيات وتدنّي الدخول التي يعاني منها عدد كبير من المواطنين، ما يطرح تساؤلات جدّية حول أسباب هذا السلوك ونتائجه على الفرد والمجتمع.
لقد أصبحت ثقافة الاستهلاك لدى البعض قائمة على التقليد والمباهاة، لا على الحاجة الفعلية. فنرى أفرادًا يثقلون كاهلهم بالديون من أجل اقتناء هواتف حديثة، أو سيارات تفوق قدراتهم، أو إقامة مناسبات باهظة التكاليف، فقط لإظهار صورة اجتماعية لا تعبّر عن واقعهم الحقيقي. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يعيش بثوب المليونير وهو ليس كذلك، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يُقنع الآخرين بأنه مليونير وهو في الحقيقة يعاني من ضيق الحال.
إن المشكلة الحقيقية في هذا السلوك أن المتضرر الأول ليس الناس ولا المجتمع، بل الفرد نفسه. فحين يضع الإنسان نفسه تحت ضغط مادي يفوق طاقته، ويحمّل نفسه التزامات مالية لا تتناسب مع دخله، فإنه يدخل في دائرة من القلق المستمر، وقد يصل به الأمر إلى الأرق والتوتر الدائم والتفكير المتواصل في كيفية سداد الديون. وهنا تتحول الكماليات إلى عبء ثقيل، وتتحول الرغبة في الظهور الاجتماعي إلى مصدر معاناة نفسية واقتصادية.
ولا يمكن تجاهل دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة، حيث تُعرض أنماط حياة مثالية ومبالغ فيها، فتُخلق لدى البعض مشاعر المقارنة والنقص، ويشعر الإنسان بأنه متأخر أو أقل شأنًا إن لم يواكب هذه الصور الزائفة. ومع غياب الوعي المالي الكافي، يقع كثيرون في فخ الاستهلاك غير المسؤول، دون تخطيط أو إدراك للعواقب طويلة المدى.
إن القناعة والرضا لا تعنيان الفقر أو التقليل من الطموح، بل تعنيان العيش بوعي واتزان، وفق الإمكانيات المتاحة. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك من مظاهر، بل بما يتمتع به من أخلاق، واستقرار نفسي، وقدرة على إدارة حياته بحكمة. والعيش ضمن حدود الدخل ليس عيبًا، بل هو سلوك راقٍ يدل على نضج ومسؤولية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز الثقافة المالية في المجتمع الأردني، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية، وصولًا إلى الإعلام، من أجل ترسيخ مفاهيم الادخار، وترتيب الأولويات، والتمييز بين الحاجة والرغبة. فمجتمع واعٍ ماليًا هو مجتمع أكثر استقرارًا وأقل عرضة للأزمات.
وفي الختام، فإن التخلي عن ثقافة الاستهلاك المفرط لا يعني التخلي عن الحياة الكريمة، بل هو خطوة نحو راحة البال والعيش بسلام داخلي. فليس من الحكمة أن نرهق أنفسنا لإرضاء نظرة الآخرين، بينما ندفع نحن وحدنا ثمن ذلك قلقًا وتعبًا وديونًا لا تنتهي.
كما لا يمكن الحديث عن ترشيد الاستهلاك ودعوة المواطنين إلى التقشّف دون التأكيد على دور الحكومة في أن تكون القدوة الحسنة في هذا المجال. فالمواطن حين يُطالَب بشدّ الحزام وتحمل أعباء المعيشة، من حقه أن يرى انعكاس ذلك في سلوك المؤسسات الرسمية. إن هدر أموال الدولة على شراء سيارات فارهة، أو إقامة حفلات ومناسبات مكلفة، أو الإكثار من السفريات غير الضرورية، أو تغيير أثاث المكاتب بشكل مبالغ فيه، إضافة إلى الإسراف في الهدايا والعطايا، كل ذلك يبعث برسائل سلبية للمجتمع. فحين تلتزم الحكومة بالتقشّف الحقيقي، وتُحسن إدارة المال العام، فإنها لا تحافظ فقط على موارد الدولة، بل تعزّز ثقة المواطنين، وتغرس فيهم ثقافة المسؤولية والاعتدال، ليصبح التقشّف نهجًا عامًا يبدأ من القمة وينعكس على الجميع.

