لندن: محمد الطّورة
حين يغادر الرجال المنصب وتبقى بصماتهم شاهدة على الأداء
ليس من السهل أن يتولى رجل مهمة حساسة في دولة بحجم الأردن، خصوصاً عندما تكون المهمة مرتبطة بظرف دقيق يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والحس الوطني والقدرة على قراءة المشهد.
ولعل ما يميز اختيارات جلالة الملك عبدالله الثاني لقادة الجيش والأمن، أنه لا ينظر إلى الأسماء بمعزل عن تجربتها؛ فهو ابن المؤسسة العسكرية والأمنية، ويعرف رجالها وقدراتهم وطريقة أدائهم، ولذلك عندما يكلف أحدهم بمهمة خاصة تخدم الوطن، يكون التكليف قائماً على معرفة وثقة بأن الرجل أهل للمهمة.
وهنا تبرز تجربتا الفريق الركن يوسف الحنيطي والفريق الركن حسين الحواتمة.
فقد أثبتت بعض المواقف التي مر بها الأردن أن المهمات الوطنية لا تحتاج دائماً إلى القوة والتعنت في الرأي أو القرار الإداري، بل تحتاج أحياناً إلى رجل يستطيع أن يستمع، ويحاور، ويحتوي، ويفتح باباً للحل عندما تبدو الأبواب الأخرى مغلقة.
وفي بعض الظروف التي كانت تشغل الدولة بمختلف مستوياتها، كان هناك من اختار الحوار مع أطراف ومواطنين وأصحاب رأي، انطلاقاً من قناعة بأن الغاية في النهاية هي حماية الوطن ومصالحه، حتى وإن اختلفت المواقف أو اتسعت مساحة الخلاف.
وفي مثل هذه اللحظات، كان الحنيطي والحواتمة يعرفان أن المسؤولية ليست في تعقيد المشهد، وإنما في البحث عن مخرج يحفظ هيبة الدولة ويصون أمن الوطن، دون إغلاق أبواب الحوار.
وقد تكللت بعض هذه المساعي بالنجاح، وربما لم يعرف الناس تفاصيلها، لأن طبيعة مثل هذه المهمات لا تسمح دائماً بأن تصبح تفاصيلها خبراً منشوراً. لكن نتائجها كانت واضحة، وشعر بها كل من تابع تلك الأحداث، بعدما انتقلت بعض الملفات من حالة التوتر والانشغال إلى الهدوء والمعالجة.
وهنا تظهر قيمة رجل الدولة الحقيقي: أن ينجز المهمة دون أن يبحث بالضرورة عن الأضواء، وأن يترك وراءه نتيجة يتحدث عنها الواقع.
لقد غادر الحنيطي والحواتمة موقعيهما، لكن مغادرة المنصب لا تعني مغادرة الأثر. فالمناصب تنتهي، أما المواقف التي أُديرت بحكمة، والأزمات التي جرى احتواؤها، والمؤسسات التي تركها أصحابها أكثر قدرة على أداء واجبها، فتبقى شاهدة على أصحابها.
ولذلك، فإن الحديث عنهما اليوم ليس حديثاً عن رتبتين أو منصبين، وإنما عن نموذج من رجال الدولة الذين أدركوا أن التكليف الملكي أمانة، وأن نجاح المهمة أهم من بقاء اسم صاحبها في الواجهة.
وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة «رجال المهمات الصعبة»:
أن يثق بك القائد عندما ينادي الوطن، وأن تكون عند حسن الظن، وأن تغادر بعد انتهاء المهمة، بينما تبقى بصمتك شاهدة على أنك كنت في المكان الصحيح، في الوقت الصعب.
ولعل أفضل ما يمكن أن يُقال في ختام هذه التجربة، أن نهج الحنيطي والحواتمة يستحق أن يكون موضع اقتداء؛ فالأوطان في مراحلها الصعبة تحتاج إلى رجال يضعون المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية، ويقدمون الحكمة على الانفعال، والاحتواء على التصعيد، والنتيجة على الشكليات.
إن قيمة القائد لا تقاس فقط بقدرته على اتخاذ القرار، وإنما بقدرته على اتخاذ القرار الذي يحفظ الوطن ويعالج المشكلة ويترك أثراً إيجابياً بعد انتهاء المهمة.
وهذا هو النهج الذي نأمل أن يظل حاضراً لدى كل من يتولى مسؤولية عامة؛ أن تكون الأولوية دائماً للأردن، وأن تُدار الملفات الصعبة بالعقل الهادئ والحس الوطني، بعيداً عن العناد والحساسيات، وأن يكون الهدف في كل مهمة هو الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة للوطن.
فالمناصب تتغير، والرجال يغادرون، لكن النهج الناجح يبقى، والبصمات الصادقة لا تغادر.