لا أعرف لماذا تذكرتُ ذلك اليوم الآن.
ربما لأن المدن، مثل البشر، لا تغادرنا تماماً. قد نكبر، ونبتعد، وتتغير الشوارع والوجوه، لكن تفصيلاً صغيراً قادراً على أن يعيدنا سنوات طويلة إلى الوراء.
كنت طفلاً في عمّان.
وكانت عمّان، بالنسبة لطفل قادم من إربد، مدينة واسعة أكثر مما ينبغي، مزدحمة أكثر مما يحتمل قلب صغير، ومليئة بالأشياء التي تجعل العين تنسى الطريق.
كنت أمشي إلى جانب أمي، وأمسك طرف ثوبها وسط الزحام.
كان طرف ثوب أمي هو خريطتي الوحيدة.
كلما ازدحم الناس، تمسكت به أكثر.
وكلما شعرت أن الشارع أكبر مني، اقتربت منها أكثر.
لكن عيني الطفل لا تعرفان دائماً معنى الخطر.
كانت الفترينات أمامنا تلمع بالأشياء.
ألعاب، ملابس، أحذية، ألوان، أشياء لم أكن أعرف أسماءها، لكنها كانت تلفت نظري.
كنت أتوقف للحظة، ثم أعود إلى أمي.
أتوقف مرة أخرى.
ثم أنظر إلى فترينة أخرى.
وهكذا، شيئاً فشيئاً، بدأت المسافة بيني وبينها تكبر.
وفي لحظة لم أفهم كيف حدثت…
فلتت يدي.
رفعت رأسي.
لم أجد أمي.
التفتُّ خلفي.
وجوه كثيرة.
رجال ونساء وأطفال.
كل واحد يمضي إلى مكانه، وكل وجه غريب بالنسبة لي.
حاولت أن أبحث عن وجه أمي بينهم، فلم أجد سوى الزحام.
كنت أريد أن أبكي، لكن شيئاً ما منعني.
ربما الخوف.
وربما كبرياء طفل لا يريد أن يبدو ضعيفاً أمام مدينة كاملة.
كانت شمس أيلول حاضرة بقسوة.
والحر يزداد.
وبعد قليل شعرت بالعطش.
ذلك العطش الذي لا ينساه الطفل بسهولة.
كنت ضائعاً، عطشان، ومتعباً، وكل ما أريده أن أجد أمي.
ثم ظهرت.
لا أعرف كيف عثرت عليّ، أو كيف عثرتُ عليها.
لكنني أتذكر جيداً أنها كانت هناك.
وكأن العالم كله عاد إلى مكانه بمجرد أن رأيتها.
اقتربت مني، وأمسكت يدي.
هذه المرة لم أتركها.
ثم اشترت لي عصير خروب.
كان الكأس بارداً في يدي، وكانت أول رشفة منه أشبه بعودة الروح.
شربت.
ارتويت.
ولم أعد أخشى عمّان.
لأنني وجدت يد أمي.
كلما مررت اليوم في شوارع عمّان، أشعر أن ذلك الطفل ما زال في داخلي.
ينظر إلى الفترينات.
يتأمل الوجوه.
ويبحث، وسط الزحام، عن يد أمه.
لكن الفرق أنني اليوم أعرف الطريق.
ومع ذلك، أحياناً أشعر أنني تهت مرة أخرى.
ليس في الشوارع هذه المرة، وإنما في السنوات.
كبرت عمّان.
وكبرت إربد.
وكبرنا نحن أيضاً.
تغيرت الفترينات، واختفت أشياء كثيرة كانت تملأ عيون الأطفال بالدهشة، وظهرت أشياء أخرى.
لكن بعض التفاصيل لا تتغير.
رائحة الشوارع.
حر أيلول.
يد أم تخاف على طفلها.
وكأس عصير خروب بارد يأتي في اللحظة التي يبدو فيها العالم كله قاسياً.
يا أمي…
لو كان بإمكاني أن أعود إلى ذلك اليوم، لما نظرت إلى الفترينات.
لما تركت طرف ثوبك لحظة واحدة.
كنت سأمسك يدك بكل قوتي.
وسأترك عمّان كلها تمر من حولي.
فأنا لم أكن أحتاج يومها إلى مدينة.
كنت أحتاجك أنتِ.
واليوم، بعدما كبرت، عرفت أن الإنسان قد يتيه في المدن، وقد يتيه في العمر، وقد تضيع منه طرق كثيرة…
لكن هناك يداً واحدة، إذا أمسكت بها، تشعر أنك عدت إلى بيتك.
إربد.
تلك المدينة التي كانت تنتظرنا.
وتلك الأم التي كانت تعرف الطريق.
وذلك الطفل الذي شرب عصير الخروب في حر أيلول، فارتوى من العصير…ومن الأمان.