لندن: محمد الطّورة
«هل لدينا في مؤسسات الدولة نظام يجعل الكذب والتسريب والفساد واستغلال الوظيفة أموراً يمكن اكتشافها ومحاسبة مرتكبيها، أم أن الأمر ما زال متروكاً للصدفة ولنفوذ الأشخاص؟»
إذا صحّ ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز عن إخضاع نحو 50 ضابطاً وموظفاً في هيئة الأركان المشتركة الأميركية لاختبارات كشف الكذب للتحقيق في تسريبات حساسة، فإن الأمر يستحق التوقف عنده.
فالمسألة ليست «كشف كذب» بقدر ما هي إدراك لخطورة المعلومة داخل مؤسسات الدولة؛ فتسريب معلومة غير مصرح بها، أو تحريفها، قد يضر بالأمن القومي، ويهز معنويات المؤسسات، بل وقد يقود إلى قرارات أو أزمات لا تحمد عقباها.
ومن هنا، لماذا لا تعيد بعض الدول النظر في منظومة النزاهة داخل مؤسساتها، خصوصاً في المواقع الحساسة؟
ولماذا لا تكون هناك آليات قانونية صارمة للتحقق والتحقيق في تسريب المعلومات، والاعتداء على المال العام، والرشوة، واستغلال المنصب، وتضارب المصالح، مع إمكانية استخدام فحص كشف الكذب في الحالات التي يسمح بها القانون، وبضمانات تمنع إساءة استخدامه؟
والأمر لا يتوقف عند المال والمعلومات.
فمن أخطر ما يفسد مؤسسات الدولة أيضاً التملق والتسحيج السياسي؛ موظف يمدح المسؤول ما دام في منصبه، ثم ينقلب عليه ويطعنه بمجرد مغادرته، وكأن الولاء للكرسي لا للدولة.
الدولة لا تحتاج موظفين يصفقون للمسؤول، بل تحتاج موظفين يحمون القانون والمؤسسة والمعلومة والمال العام، أياً كان اسم ولقب المسؤول الجالس على الكرسي.
لذلك، ربما آن الأوان لإنشاء منظومة وطنية حقيقية للنزاهة والمساءلة، يكون فيها القانون فوق الأشخاص، والمعلومة أمانة، والمال العام خطاً أحمر، والوظيفة العامة خدمة للدولة لا وسيلة للتملق أو تحقيق المصالح.
السؤال ليس: من يكذب؟
السؤال: هل نملك مؤسسات تستطيع اكتشاف الكذب والفساد والتسريب قبل وقوعه ومحاسبة مرتكبيها، أياً كانت مواقعهم؟